أمام الحجر الذى نطق بالخلود، يجىء مهرجان صدى الأهرامات» ليصنع حالة فنية استثنائية، تتجاوز حدود المتعة، فهو ليس مجرد مهرجان موسيقى، بل بيانٌ ثقافى ودبلوماسيةٌ ناعمةٌ، ورسالة حضارية مفادها أن مصر ليست متحفًا للتاريخ، بل منارةٌ حيّة تحوّل الذاكرة إلى إبداع، والجذور إلى موسيقى، والحضارة إلى لغة مشتركة بين الشعوب، فمصر لا تُبهر العالم فقط بتاريخها، بل بقدرتها على استعادته، وتقديمه بصوتٍ جديد، يليق بوطنٍ لم تكن حضارتهُ فصلًا فى كتاب الإنسانية، بل غلافه الأول.
فى هذا الملتقى العالمى تتجاور الثقافات، وتتبادل الشعوب لغاتها عبر الفن، فالقيمة الكبرى للمهرجان تكمن فى قدرته على تجديد الحوار بين الماضى والمستقبل، وتحويل الصوت الإنسانى إلى جسر يربط الشرق بالغرب، والروح بالذاكرة، أنه يقدم مصر للعالم بصورة المعاصرة، دولة تعرف كيف تصون تاريخها وتستثمره وتضعه فى واجهة المشهد الثقافى العالمى.. كان الافتتاح أشبه بعبورٍ موسيقى بين العوالم، حيث جلس «لانج لانج» أمام البيانو وكأنه يفتح بوابة سحرية بين الثقافات.

اقرأ أيضًا| مهرجان صدى الأهرامات يعتذر للجمهور بعد إلغاء حفل عمر خيرت بسبب وعكته الصحية

وبلمسات أنامله أعاد سيد درويش إلى الحياة بمعزوفة من روائعه، ومع الأوركسترا البريطانى نسج بساطًا من الأنغام، فيما بدت عازفة الكمان أميرة أبو زهرة نبضة مصرية وسط هذا النسيج العالمى.
أما تلك الأمسية فكانت بمثابة عبور بين ضفتين من الزمن: ضفةٌ يقف عندها عمار الشريعى تحت قيادة هانى فرحات، فتنهض موسيقاه من الذاكرة الوطنية، كصوت أصيل من مكونات الروح المصرية، لتعيد عمار الشريعى من ضمير الزمن عبر إحساسٍ ملتحم بالوجدان، موسيقى لا تُسمَع فقط، بل تُستعاد وتُستشعَر كهمس داخليّ متجذّر فى وجدان مصر.. ثم جاء الجزء الثانى، مع المايسترو «بن بالمر» ومؤلفات هشام نزيه المضيئة، حاملة طاقة المستقبل، موسيقى جريئة، متدفقة، تتنفس هواءً عالمياً دون أن تفقد جذورها، وفى رأيى أن الجزء الثانى من الأمسية كان أفضل من الأول؛ إذ بدت خلال فقرة أعمال عمار الشريعى بعض الإشكاليات فى توازن الصوت، وكان صوت الكورال أقل حضورًا مما ينبغى، وطغت أصوات بعض الآلات الموسيقية على غيرها، مما أثّر على حالة الانسجام السمعى فى بعض المقاطع.. لم يكن الحفل ترتيبًا زمنيًا بين ماضٍ وحاضرٍ ومستقبل؛ بل حوارًا موسيقيًا بين ذاكرةٍ وطنية ورؤيةٍ تتجاوز الحدود، حوارًا ينصت فيه الحجر كما ينصت الإنسان. ثم أطلّت السوبرانو أميرة سليم، لا كصوتٍ فحسب، بل حضورًا مسرحيًا نابضًا بالذاكرة، بدا أداؤها أشبه بطقسٍ غنائى درامى مقدّس، يستدعى «أنشودة إيزيس» من الأعماق، ويمتدّ صعودًا نحو السماء مثل كائنٍ نورانى، يستحضر صوت مصر القديمة، لا كذكرى وإنما كنبض متجدد.
الروح الشرقية لم تغب عن المشهد، بل توهجت فى لحظة ساحرة حين ارتفع صوت «عبير نعمة» و«فايا يونان»، لا كأداءٍ غنائى، بل كاستحضارٍ للذاكرة السمعية للشرق.
امتزج التراث العربى بالعزف الغربى، فبدت الأصالة والحداثة ليستا نقيضين، بل شريكين فى تآلفٍ واضح، حيث حمل الصوتان التراثَ لا بوصفه ماضيًا، بل كائنٍ حيّ يتنفّس عبر الأوركسترا، ومع هذا الحوار بين موسيقى الغرب المنظمة والعاطفة العربية الحرة، بدا للجمهور أن الأصالة لا تتعارض مع الحداثة، بل تنتصر حين تتعانقان.
أراد المهرجان أن يمنح السينما صوتًا إلى جانب الصورة، فكان ذلك الحفل الذى حمل موسيقى هوليوود الشهيرة إلى ساحة الأهرامات، حيث أعادت «كارلا شمعون» ولادة تلك الموسيقى بروحها الخاصة، فتحوّلت من موسيقى أفلام إلى جسرٍ آخر يربط الشاشة بالحجر، والذاكرة بالسماء المفتوحة فوق الجيزة، فى لحظةٍ بدا فيها التاريخ وكأنه يُنصت.. أما مفاجأة المهرجان المرتقبة بشغف، المغنى العالمى «ديماش كودايبرجن» صاحب الحنجرة الذهبية، ذلك الصوت الذى يقفز بين الطبقات الصوتية، والمساحات الصوتية كما لو كان آلة بشرية تُولِّد الموسيقى من نفسها. حضوره ليس مجرد مشاركة، بل حدثٌ يتسق مع عظمة الفضاء المفتوح بين الأهرامات.. ولا يأتى مهرجان «صدى الأهرامات» منفصلًا عن المشهد الثقافى المصرى الراهن، بل متكاملًا ضمن ثلاثية النور المصرية: المتحف المصرى الكبير، حيث ينهض الحجر حاملًا الهوية والتاريخ، ومهرجان القاهرة السينمائى الدولى نافذة الفن المرئى على العالم، ثم يأتى المهرجان ليكون اللحن الذى يعيد للروح قدرتها على التذكّر؛ كأن مصر تقدم الرحلة من الحجر إلى الشاشة إلى اللحن فى معزوفة مستمرة.. إنه استمرار للوهج الثقافى الذى تبنيه مصر بحكمة وبصيرة، واستثمار لثروتها الحضارية فى مشروع ثقافى فنى معاصر يستشرف المستقبل بذات الروح التى بنت الماضى، بيان هادئ لقوة مصر الناعمة كبلد يشق طريقه إلى المستقبل بذات الروح التى نحتت مجده القديم.. بلد يكتب حكايته الخالدة بقلمه؛ ويعزفها بيده، كأنه يقول للعالم: هنا حضارةٌ لا يبهت صداها، وموسيقى لا تُطفئها الأزمنة، هنا تاريخٌ يتجدّد حجرًا، وصورةً، ولحنًا، وروحًا.
ديزني بلس تحتفي بالهوية العربية عبر عناوين مبتكرة لأشهر أعمالها العالمية
أحمد تيمور يضيء ساقية الصاوي الليلة بأمسية شعرية استثنائية
بعد نجاحه في رمضان 2026.. حمزة العيلي يحصد تكريمًا دوليًا جديدًا







