تاريخ مصر الحديث مليء ومزدحم فى كل مراحله بالقامات التى نعتز ونفخر بها، ومن بين هذه القامات دكتورة هيلانة سيداروس أول طبيبة تتخصص فى أمراض النساء والولادة فى مصر والشرق الأوسط ، وأول طبيبة تتولى إدارة مستشفى « كتشنر » المعروف بحى شبرا مصر، وأول طبيبة مصرية تفتح عيادة خاصة ويتزاحم عليها المرضى ثقة فى كفاءتها وضميرها الطبى، وللأسف الشديد فهذه الرائدة الكبيرة لم يفكر السادة الذين يضعون المناهج الدراسية فى أن يقدموها للتلاميذ والطلاب فى دروس مفيدة تقدم القدوة للأجيال الجديدة !!
وُلدت هيلانة سيداروس فى طنطا بمحافظة الغربية عام 1904 التحقت بالقسم الداخلى بمدرسة السنية للبنات بالقاهرة بعد حصولها على الابتدائية، وتم إرسالها فى بعثة إلى لندن سنة 1922 والتحقت بمدرسة لندن الطبية لتدرس الطب مع خمس مصريات أخريات، ودراسة هيلانة للطب فى لندن جعلتها محط أنظار أساتذتها الإنجليز الذين أشفقوا عليها من مشقة دراسة الطب، وعرضوا عليها أن تتخصص فى مجال التعليم فى رياض الأطفال !! لكنها رفضت بإصرار وقبلت التحدى بدراسة الطب، فكانت الأسابيع الأولى من دراستها للطب شاقة للغاية، إذ كانت مادة التشريح تسبب لها آلاماً وضيقاً، لكنها اجتازت فترة الدراسة بنجاح وتفوق، وأصبحت فى عام 1929 طبيبة مُؤهلة لممارسة مهنة الطب وهى تبلغ من العمر 25 عاماً، وعادت إلى مصر عام 1930 ومعها شهادة الطب والتوليد من الكلية الملكية البريطانية، والتحقت للعمل بمستشفى كيتشنر بالقاهرة. فى ذلك الوقت كانت الطبيبة المقيمة بالمستشفى إنجليزية وبعد أن عادت إلى وطنها شغلت د. هيلانة مكانها بكفاءة.
وفى عام 1935 بعد أن انتهت الفترة الإلزامية التى ينبغى أن تقضيها فى المستشفى، عرض عليها د. على بك فؤاد العمل فى رعاية الطفولة مع فتح عيادة، وتقول د. سلمى جلال: إن الدكتور عبد الله الكاتب شجعها وعاونها على فتح عيادتها فى باب اللوق بالقاهرة وفى نفس الوقت كانت تقوم بعمليات الجراحة والتوليد بالمستشفى القبطى بالقاهرة بناء على طلب من الدكتور نجيب محفوظ باشا رائد علم أمراض النساء والتوليد بمصر، وكان من بين آلاف الأطفال الذين وُلدوا على يديها: الدكتور طارق على حسن نجل صديقتها الرائدة فى علم الكيمياء الدكتورة زينب كامل حسن، وفى كثير من الأحيان كان يتم استدعاؤها فى منتصف الليل لمساعدة سيدة على وشك الولادة، فكانت تقود سيارتها الخاصة بنفسها وسط دهشة المارة وتذهب لمقر إقامة السيدة لتوليدها عندما تكون حالة الولادة متعثرة، وكانت تقول: إن الطب مهنة صعبة تحتاج إلى تضحيات كثيرة وبدون الرغبة الشديدة فى دراسة الطب يصعب الاستمرار فيها، ولا ينكر أحد الدور الوطنى الذى قامت به، فشاركت وهى فى الخامسة عشرة من عمرها فى مظاهرات النساء والفتيات بثورة 1919، واستمرت فى المشاركة فى الكفاح الوطنى للمرأة المصرية ضد الاحتلال الإنجليزى، وكانت تتردد على منزل سعد باشا زغلول لتشارك فى اجتماعات الحركة النسائية بقيادة السيدة صفية زغلول من أجل مناهضة الاحتلال الأجنبى ومقاطعة البضائع الإنجليزية وانضمت إلى جمعية هدى شعراوى، وبعد اعتزالها الطب لكبر سنها كانت تترجم القصص الأجنبية المُصورة للأطفال فى الجمعية القبطية الخيرية التى ساهمت من خلالها فى تأسيس المستشفى القبطى بشارع رمسيس، وظلت تعمل فى شيخوختها بالعمل الخيرى حتى توفيت فى 15 أكتوبر 1998عن عمر يناهز 94 عاماً.
«كنوز»

كنوز| حكايات سيدة الشاشة مع عملاق الصحافة فى ذكرى ميلادها الـ 95
كنوز| مستقبل مصر فى عقلها
كنوز| قصة «ثومة» مع الشريف فى «مسامرات الجيب» !







