لست أذكر تماماً كيف بدأت هوايتى للفن، وكل ما أذكره من هوايتى له المبكرة أننى كنت التقى بعد عودتى من المدرسة ببعض صديقاتى من بنات الجيران لنمضى فى الحديث عن الفن وأهله، ونرضى بهذا النصيب الضئيل من هوايتنا الكبرى .. وأذكر ذات مرة أن كتبت إحدى الصديقات رواية من تأليفها، ولما قرأت علينا الرواية أعُجبنا بها جميعاً وانهلنا عليها تقبيلاً لبراعتها ومواهبها الفذة فى التأليف، واتفقنا جميعاً على أن تُمثل هذه الرواية بأى ثمن، وعهدت إلى الصديقات بمهنة البحث عن الوسائل التى نفعل بها ما اعتزمناه.. وأخيراً هدانى تفكيرى الى استغلال قطعة أرض واسعة كانت تقع بالقرب من منزلنا، ولا يشغلها إلا بعض الأخشاب والطوب، واجتمعنا مرة ثانية وعرضت عليهن الفكرة وانتهى الاجتماع بأن ساهمت كل واحدة من الصديقات بمبلغ من المال لبناء المسرح مع استغلال الطوب والخشب الموجود فى الأرض وساهمت أنا بأكبر جزء من رأس المال : وبدأنا نبنى المسرح، واحتجنا إلى ستارة.. فذهبت إلى منزلنا وسطوت على مفرش جميل استعملناه كستارة، ورأت زميلاتى من باب المجاملة تسمية المسرح باسمى باعتبارى صاحبة أكبر جزء فى رأسماله، وكلفنا ثلاثاً من زميلاتنا بالوقوف على باب المسرح لمنع الدخول مجاناً، وحددنا أسعار الدخول للسيدات بقرش صاغ وللبنات والأولاد بخمسة مليمات والخدم بمليمين فقط لا غير..!
وأقبل أهالى الحى على مسرحنا إقبالاً منقطع النظير، ولم تمنعهم المتاعب التى صادفوها فى الجلوس فوق الأتربة ومخلفات البناء، وفوق مقاعد مُحطمة، لم يمنعهم كل هذا من إبداء إعجابهم بالرواية وأفراد الفرقة وكلهن من بنات الجيران !
وأقمنا حفلتنا الثانية فى اليوم التالى، وكنا نكتب التذاكر بأيدينا، وكانت صيغة التذكرة هكذا (فرقة بنات الحى تقدم الليلة على مسرح مريم فخر الدين رواية). وأقبل على هذه الحفلة بعض الرجال من أصدقاء الجيران. وكانت هذه الحفلة هى ختام ..جهودنا جميعاً فقد كشفتنا أمام الناس .. كان بين الحاضرين أديب شاب ظل يتابع باهتمام التمثيل، فلما انتهت المسرحية عرف أنها مسروقة من إحدى المجلات التى نقلتها الى العربية، واتضح أن الزميلة التى ألفت المسرحية استغلت عدم اطلاعنا على المجلات ونقلت المسرحية بالحرف الواحد ونسبتها إلى نفسها .. وفى الفصل الثانى كانت هناك مفاجأة ثانية فى شخص رجل كان بين المشاهدين، يهددنا باستدعاء البوليس، واتضح لنا أنه صاحب قطعة الأرض وصاحب الخشب والطوب الذى استخدمناه فى بناء المسرح .. وكان طبيعياً أن يشكونى الرجل إلى والدى باعتبارى «صاحبة المسرح»، كما كُتب فى التذاكر وعلى باب المسرح .. ورأى والدى أن يتدخل فى الأمر، ويحل المشكلة بالحسنى فقام بدفع ثمن الأخشاب والطوب لمالك الأرض، ورأت زميلاتى أن يساهمن بإيراد الحفلتين فى هذا التعويض الذى فرضه والدى، وكان إيراد الحفلتين لا يزيد على بضعة قروش، بينما أخذ الرجل عشرة جنيهات كاملة !
مريم فخر الدين
«الكواكب» - 30 أكتوبر 1956

كنوز| حكايات سيدة الشاشة مع عملاق الصحافة فى ذكرى ميلادها الـ 95
كنوز| مستقبل مصر فى عقلها
كنوز| قصة «ثومة» مع الشريف فى «مسامرات الجيب» !







