قلب جريء

لا أحد يجرؤ !

خيرى الكمار
خيرى الكمار


يواجه‭ ‬فيلم‭ (‬السلم‭ ‬والثعبان‭ ‬2‭.. ‬لعب‭ ‬عيال‭)‬،‭ ‬الذي‭ ‬يعرض‭ ‬حاليًا،‭ ‬نجاحًا‭ ‬جماهيريًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬تشير‭ ‬إليه‭ ‬الإيرادات‭ ‬الضخمة‭ ‬التي‭ ‬يحققها،‭ ‬كما‭ ‬يواجه‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الانتقادات‭ ‬بسبب‭ ‬بعض‭ ‬المشاهد‭ ‬والألفاظ‭ ‬التي‭ ‬يتضمنها،‭ ‬والتي‭ ‬يراها‭ ‬الكثيرون‭ ‬ألفاظًا‭ ‬خارجة‭ ‬وخادشة‭ ‬للحياء‭. ‬وقد‭ ‬وصل‭ ‬الهجوم‭ ‬على‭ ‬الفيلم‭ ‬بسبب‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬مطالبة‭ ‬البعض‭ ‬بوقف‭ ‬عرضه،‭ ‬وانتقاد‭ ‬الرقابة‭ ‬لموافقتها‭ ‬على‭ ‬التصريح‭ ‬بعرض‭ ‬الفيلم‭ ‬وهو‭ ‬يتضمن‭ ‬هذه‭ ‬الألفاظ‭.‬

وقد‭ ‬رد‭ ‬بعض‭ ‬صُنّاع‭ ‬الفيلم‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الانتقادات‭ ‬بأن‭ ‬هذه‭ ‬الألفاظ‭ ‬موجودة‭ ‬في‭ ‬الواقع،‭ ‬وأن‭ ‬الفيلم‭ ‬يقدم‭ ‬الواقع‭. ‬وهذا‭ ‬الرد‭ ‬متعارف‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الحالات‭ ‬من‭ ‬الانتقادات‭ ‬التي‭ ‬تواجهها‭ ‬بعض‭ ‬الأفلام،‭ ‬ولكنه‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬هو‭ ‬رد‭ ‬أو‭ ‬تبرير‭ ‬غير‭ ‬موفق،‭ ‬لأنه‭ ‬ليس‭ ‬دور‭ ‬الفن‭ ‬تقديم‭ ‬الواقع‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬بكل‭ ‬مفرداته‭ ‬وتفاصيله‭ ‬وألفاظه،‭ ‬ولا‭ ‬أحد‭ ‬يجرؤ‭ ‬على‭ ‬ذلك؛‭ ‬فما‭ ‬يحدث‭ ‬أو‭ ‬يُقال‭ ‬في‭ ‬الشارع‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬الأماكن‭ ‬المغلقة‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬نقله‭ ‬بصورته‭ ‬الواقعية‭ ‬وبكل‭ ‬تفاصيله‭ ‬على‭ ‬شاشة‭ ‬السينما‭. ‬والواقعية‭ ‬الفنية‭ ‬أمر‭ ‬آخر‭ ‬مختلف‭ ‬تمامًا؛‭ ‬ولهذا‭ ‬عندما‭ ‬عرّف‭ ‬أرسطو‭ ‬الدراما‭ ‬قال‭ ‬إنها‭ ‬محاكاة‭ ‬للواقع‭ ‬وإعادة‭ ‬صياغة‭ ‬له،‭ ‬وليست‭ ‬نقلاً‭ ‬له‭ ‬كما‭ ‬هو‭.‬

والواقعية‭ ‬في‭ ‬السينما‭ ‬والدراما‭ ‬هي‭ ‬تقديم‭ ‬أعمال‭ ‬تتناول‭ ‬موضوعات‭ ‬وقضايا‭ ‬من‭ ‬الواقع،‭ ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬شخصيات‭ ‬تحمل‭ ‬أبعادًا‭ ‬وتفاصيل‭ ‬تنتمي‭ ‬إلى‭ ‬الواقع‭ ‬الذي‭ ‬تتناوله،‭ ‬وتقديم‭ ‬هذه‭ ‬الأعمال‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬دراما‭ ‬تتضمن‭ ‬أحداثًا‭ ‬منطقية‭ ‬وصادقة‭ ‬حتى‭ ‬يتفاعل‭ ‬الجمهور‭ ‬معها،‭ ‬وليس‭ ‬تقديم‭ ‬كل‭ ‬التفاصيل‭ ‬الواقعية‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الأعمال‭. ‬لأنه‭ ‬كما‭ ‬ذكرت‭ ‬وأكرر‭: ‬لا‭ ‬أحد‭ ‬يجرؤ‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬وليس‭ ‬هذا‭ ‬المطلوب‭ ‬في‭ ‬الفن‭.‬

وعلى‭ ‬مدار‭ ‬تاريخ‭ ‬السينما‭ ‬المصرية،‭ ‬وفي‭ ‬أعمال‭ ‬المخرجين‭ ‬الذين‭ ‬يُعتبرون‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬مخرجي‭ ‬السينما‭ ‬الواقعية‭ ‬وأهم‭ ‬المخرجين‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬السينما‭ ‬المصرية،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتهم‭ ‬صلاح‭ ‬أبو‭ ‬سيف‭ ‬وعاطف‭ ‬الطيب‭ ‬ومحمد‭ ‬خان‭ ‬وغيرهم،‭ ‬قدم‭ ‬هؤلاء‭ ‬أفلامًا‭ ‬بالمفهوم‭ ‬الحقيقي‭ ‬للسينما‭ ‬الواقعية‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬تناول‭ ‬موضوعات‭ ‬وقضايا‭ ‬وشخصيات‭ ‬من‭ ‬الواقع،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يقدموا‭ ‬الألفاظ‭ ‬الخارجة‭ ‬أو‭ ‬الخادشة‭ ‬للحياء‭ ‬الموجودة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الواقع،‭ ‬لأنهم‭ ‬يدركون‭ ‬جيدًا‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬ليس‭ ‬له‭ ‬علاقة‭ ‬بالفن‭ ‬والإبداع‭.‬

وأرى‭ ‬أن‭ ‬صُنّاع‭ ‬فيلم‭ (‬السلم‭ ‬والثعبان‭ ‬2‭.. ‬لعب‭ ‬عيال‭) ‬يدركون‭ ‬ذلك‭ ‬أيضًا،‭ ‬وأن‭ ‬تقديمهم‭ ‬مشاهد‭ ‬وألفاظًا‭ ‬جريئة‭ ‬في‭ ‬الفيلم‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تقديم‭ ‬الواقع‭ ‬أو‭ ‬لضرورة‭ ‬فنية،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تقديم‭ ‬عمل‭ ‬جريء‭ ‬في‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬تفاصيله،‭ ‬وكانوا‭ ‬يعرفون‭ ‬جيدًا‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬سيثير‭ ‬ضجة‭ ‬حوله،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬بالفعل‭ ‬وساهم‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬الإقبال‭ ‬الجماهيري‭ ‬على‭ ‬مشاهدة‭ ‬الفيلم‭. ‬ولهذا‭ ‬فإن‭ ‬الانتقادات‭ ‬التي‭ ‬يواجهها‭ ‬بسبب‭ ‬مشاهده‭ ‬وألفاظه‭ ‬لم‭ ‬تؤثر‭ ‬على‭ ‬نجاحه‭ ‬الجماهيري،‭ ‬لكنها‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تثير‭ ‬له‭ ‬مشكلات‭ ‬أخرى،‭ ‬ووقتها‭ ‬لن‭ ‬ينفع‭ ‬الرد‭ ‬بأن‭ ‬الفيلم‭ ‬يقدم‭ ‬الواقع‭.‬

;