لم يكن مؤتمر رابطة مكاتب ووكالات السفر الألمانية في الغردقة، الذي عقد في مدينة الغردقة بحضور شريف فتحي وزير السياحة والآثار، وأحمد يوسف الرئيس التنفيذي للهيئة المصرية العامة للتشيط السياحي، وعدد كبير من قيادات القطاع السياحي، مجرد تجمع مهني آخر، بل كان نافذة واسعة لمعرفة ما يشغل عقل السائح الألماني اليوم، وما الذي يمكن أن يغير خريطة السياحة المصرية غدًا.
الحوار بين قيادات السياحة الأوروبية والمصرية كشف عن حقيقة لافتة.. مفادها أن الريف المصري أصبح في قلب اهتمامات السائح الألماني، الذي يبحث عما هو أعمق من البحر وأبعد من الفنادق الفاخرة.. ولم تعد تكفيه الشمس والرمال، بل يريد أن يقترب من الناس، ويختبر الحياة كما تُعاش على الأرض، لا كما تُعرض في الكتالوجات.. يريد أن يجلس في بيت ريفي حقيقي، يتذوق الطعام المحلي، يشاهد الحرفيين وهم يصنعون منتجاتهم، ويستمتع بطبيعة هادئة تتيح له الاندماج مع المكان دون بهرجة ولا اصطناع.
وهذه المقومات تمتلكها مصر بوفرة مدهشة — من القرى المطلة على النيل، إلى واحات الصحراء الغربية، مرورًا بقرى الدلتا وصعيد مصر — لكنها ما زالت خارج إطار البرامج السياحية التقليدية، وتنتظر رؤية تنظمها وتمنحها هوية واضحة.
السياحة الريفية ليست مجرد نمط لطيف من الرحلات، بل مشروع تنموي متكامل قادر على تغيير حياة القرى.. فهي تعيد إحياء الحرف، وتخلق فرص عمل حقيقية، وتدعم المشروعات الصغيرة، وتفتح الباب أمام مشاركة المجتمعات المحلية في صناعة السياحة بدل أن تظل مجرد مشاهد.
كما أنها تقدم للزائر صورة صادقة لمصر، خارج المعابد والشواطئ، وتضمن توزيعًا أكثر عدلاً لمكاسب السياحة على مناطق طال إهمالها رغم امتلاكها مقومات فريدة.
كيف تستفيد مصر من الاهتمام الألماني بالسياحة الريفية؟
لتحويل هذا الاهتمام إلى منتج حقيقي قابل للتسويق، هناك خطوات يمكن البناء عليها أهمها:
• تطوير مسارات وتجارب ريفية متكاملة تشمل بيوت ضيافة، مطاعم محلية، أنشطة زراعية، وورش للحرف، بحيث يحصل السائح على تجربة كاملة لا مجرد زيارة عابرة.
• إدراج السياحة الريفية في برامج الشركات الأجنبية والمحلية بنموذج عرض منظم، يوضح للسائح ماذا سيختبر وما الذي يميّز التجربة.
• رفع مهارات المجتمعات المحلية من خلال التدريب على الضيافة، النظافة، التعامل مع الزوار، وإدارة المشروعات الصغيرة.
• إطلاق حملات ترويج موجهة للسوق الأوروبي وخاصة الألماني تعتمد على قصص الناس وصور الطبيعة الريفية وتجارب الحياة اليومية.
• عقد شراكات قوية بين الدولة والقطاع الخاص لتطوير القرى المستهدفة وتحسين البنية الأساسية التي تحتاجها هذه التجارب.
في الختام يجب التأكيد على أن السياحة الريفية ليست «موضة» ولا رفاهية؛ إنها فرصة استراتيجية يمكن أن تعيد رسم صورة مصر كوجهة متنوعة، تجمع بين البحر والصحراء والواحات والنيل والريف في تجربة واحدة.
وإذا أحسنت مصر تقديم هذا المنتج، فلن تجذب فقط الزائر الألماني الباحث عن الأصالة والهدوء، بل ستضع حجر أساس لمسار تنموي يعيد الحياة إلى القرى ويمنح السياحة المصرية بعدًا جديدًا أكثر استدامة وعمقًا.

علي عبد الحفيظ يكتب: الأزهر الشريف ووأد الفتنة
تامر عادل يكتب: كأس العالم من عاصمة مصر الجديدة
فى الاحتفال بيوم إفريقيا التمسك بالتنمية المستدامة







