إنفاق الصين يهبط لأدنى مستوى منذ 2021

الصين
الصين


تشهد الصين مرحلة دقيقة اقتصادياً بعد تسجيل تراجع حاد في الإنفاق العام خلال شهر أكتوبر الماضي بنسبة 19%، وهو أكبر انخفاض منذ بدء توفر البيانات القابلة للمقارنة في عام 2021. هذا الهبوط يعكس حجم التحديات التي تواجه ثاني أكبر اقتصاد في العالم وسط ضعف الاستهلاك وتراجع الصادرات وتباطؤ الاستثمار الحكومي.

اقرأ ايضا   كامل الوزير: الموانئ المصرية تدعم قناة السويس

بحسب وزارة المالية الصينية، انخفض الإنفاق في الميزانيتين الرئيسيتين للدولة — الحساب العام والصناديق الحكومية — بنحو 334 مليار دولار، ليصل إلى أدنى مستوى له منذ يوليو 2023. ويشير هذا التراجع إلى تغيّر ملحوظ في توجهات السياسة المالية في بكين، التي بدأت تتجه نحو تقليص الإنفاق وإعادة هيكلة أولويات الصرف العام بعد سنوات من التركيز على التحفيز الاقتصادي.

ورغم إطلاق الحكومة حزم تحفيز واسعة في أواخر سبتمبر، تؤكد البيانات أن تأثير هذه الحزم لم يظهر بعد، وأن انعكاسها على النشاط الاقتصادي قد يستغرق وقتاً أطول من المتوقع، خاصة مع استمرار الضغوط في سوق العمل وتباطؤ قطاع العقارات.

 ضغوط داخلية وخارجية… وتراجع في الطلب والاستهلاك

تواجه الصين تحديات مزدوجة؛ فمن جهة يعاني الاستهلاك المحلي من ضعف واضح، مع تسجيل مبيعات التجزئة نمواً متراجعاً عند 2.8% فقط، وهو أدنى مستوى خلال خمسة أشهر وواحد من أقل المعدلات منذ 2021. ومن جهة أخرى، يتراجع الطلب العالمي على الصادرات الصينية، مما يزيد العبء على المصنعين وسلاسل التوريد.

كما ارتفع العجز الصيني إلى أكثر من 8 تريليونات دولار (سمريونيوان)، بينما واصل الإنتاج الصناعي الانخفاض ليسجل نحو 5.5%. ويأتي ذلك في ظل استمرار أزمة العقارات التي شهدت انخفاضاً في الأسعار وصل إلى 16% في بعض المناطق.

 رؤية صينية مختلفة: الإصلاح قبل القلق

يرى الدكتور مارفن لي، الباحث في الاقتصاد السياسي، أن الانخفاض في الإنفاق ليس بالضرورة إشارة أزمة، بل إعادة ترتيب للأولويات في إطار تحول اقتصادي طويل الأمد. ويؤكد أن الإيرادات الصينية لم تتراجع، بل سجلت الضرائب زيادة بنسبة 10% خلال أكتوبر، وهو مؤشر على قدرة الاقتصاد على استعادة صموده.

وتركّز بكين حالياً على إصلاحات هيكلية تستهدف دعم القطاع الخاص وتحقيق نمو مستدام في المستقبل، مع توجيه الإنفاق نحو القطاعات عالية القيمة مثل صناعة أشباه الموصلات، والتعليم، والصحة، وخدمات كبار السن. هذا التحول يأتي ضمن رؤية تهدف للانتقال من اقتصاد منخفض الكلفة إلى اقتصاد قائم على الابتكار والتكنولوجيا المتقدمة.

 العقارات والأمن القومي… عنصران حاسمان في السياسة الاقتصادية

تشير البيانات إلى أن الحكومة الصينية قد تكون اعتمدت بشكل مبالغ فيه على مبيعات الأراضي والعقارات خلال السنوات الماضية، وهو ما تم وصفه بـ"السلاح ذو الحدين" نظراً لمخاطر التضخم أو فقدان بعض المواطنين لأصولهم خلال أزمات الانكماش.

وفي موازاة ذلك، تضع الحكومة الأمن القومي في مقدمة أولوياتها، حيث تم تخصيص جزء كبير من الميزانية منذ عام 2016 لدعم القدرات العسكرية في بحر الصين الجنوبي وتايوان. وتشمل هذه الجهود تطوير تقنيات عسكرية جديدة مثل الغواصة الطائرة البرمائية لضمان تعزيز السيادة الصينية. وتعتقد الحكومة أن تحقيق الاستقرار الأمني سيمهّد لاحقاً لتعافي الاقتصاد وتحفيز النمو الداخلي.

 الصين تعيد رسم خريطتها الاقتصادية عبر شراكات وتجارة متنوعة

على الصعيد الدولي، تتوسع الصين في تعاونها مع آسيا الوسطى وإفريقيا والشرق الأوسط للحصول على منتجات مرتفعة القيمة، في محاولة لتقليل تأثير الحرب التجارية المستمرة مع الولايات المتحدة والدول الأعضاء في مجموعة السبع. وتأتي هذه الاستراتيجية لتقوية سلاسل التوريد وضمان مصادر بديلة للمواد الحيوية.