أحمد عدوى
تعد الدراما المصرية منذ نشأتها واحدة من أهم أدوات القوة الناعمة التى تمتلكها الدولة المصرية، فهى لم تكن يومًا مجرد وسيلة للترفيه أو المتعة، بل تحولت إلى وسيلة مؤثرة فى تشكيل الوعى الجمعى وترسيخ الهوية الوطنية لدى المصريين والعرب على حد سواء، على مدى عقود طويلة قدمت الدراما المصرية أعمالًا خالدة جسدت شخصيات وأحداثًا محورية فى التاريخ المصرى الحديث، مثل مسلسل الملك فاروق، وفيلم ناصر 56، ومسلسل رأفت الهجان، وغيرها من الأعمال التى ارتبطت فى ذاكرة المشاهدين ارتباطًا وثيقًا بتاريخ الوطن وصورته فى أذهان الأجيال المتعاقبة.
وسيم السيسى: يمكن أن تلعب دورًا محوريًا فى التعريف بتاريخ مصر
ورغم هذا الإرث الفنى الضخم الذى تمتلكه مصر، فإن الدراما المصرية لم تستثمر بعد بالشكل الأمثل فى الترويج للمواقع الأثرية والمتاحف، وهى ثروة لا تقل أهمية عن أى مورد اقتصادى آخر، فهذه المواقع لا تعد فقط شواهد على التاريخ، بل يمكن أن تتحول إلى منصات جذب سياحى وثقافى من خلال دمجها فى الأعمال الفنية والدرامية التى تعرض على الشاشات داخل مصر وخارجها، وهنا يبرز التساؤل الجوهرى: لماذا لا تتحول الدراما المصرية إلى جسر حقيقى يربط بين الفن والسياحة، ويعيد تقديم مصر بوجهها الحضارى للعالم؟
يؤكد د. وسيم السيسى، الباحث فى التاريخ المصرى القديم، أن الدراما ليست مجرد وسيلة عرض فنى، بل هى أداة تعليمية وتثقيفية قادرة على الوصول إلى الناس بعمق وسلاسة فى الوقت نفسه، مضيفًا: «الدراما يمكن أن تلعب دورًا محوريًا فى التعريف بتاريخ مصر، إذا تم استغلالها من قبل وزارة السياحة والآثار بالشكل الأمثل، لدينا تاريخ ضخم يفوق الخيال، ولكننا لا نقدم منه سوى القليل جدًا فى أعمال فنية قادرة على جذب الجمهور فى الداخل والخارج».
ويتابع السيسى شارحًا فكرته:
«ما نحتاجه هو إنتاج مسلسلات قصيرة وأفلام تسجيلية تبرز التاريخ الحقيقى لمصر، لا أن تقتصر على ذكر أسماء الأسر الفرعونية وأعمالهم، يجب أن نظهر العقل المصرى القديم، وكيف كان متفوقًا فى التفكير والتخطيط والإدارة، وأن نبرز الجانب الإنسانى للحضارة المصرية التى سبقت العالم فى الطب والهندسة والفكر والسياسة».
ويضرب السيسى مثالًا بشخصية الملك تحتمس الثالث، الذى يُعد من أعظم القادة فى التاريخ العسكرى والسياسى، فيقول:
«تحتمس الثالث انتصر على أكثر من 300 ملك أرادوا السيطرة على مصر، لكنه لم ينتقم منهم، بل استخدم ذكاءه السياسى وأخلاقه الحضارية، فاختار أن يأخذ أبناءهم ويربيهم فى مصر، ويعلمهم القيم والحكمة، ثم يعيدهم إلى بلادهم ليحكموها بروح مصرية، هذه القصة وحدها كفيلة بأن تتحول إلى عمل درامى عالمى يظهر عبقرية المصرى القديم وإنسانيته».
ويضيف السيسى أن مثل هذه النماذج تظهر أن المصرى القديم لم يكن فقط بنى أهرامات، بل كان صانع فكر وإنسانية، وأن تقديمها فى أعمال درامية سيكون له أثر هائل فى بناء وعى الأجيال الجديدة وإعادة الاعتزاز بالهوية المصرية.
ويرى الكاتب والسيناريست أنور عبدالمغيث أن الدراما المصرية تمتلك القدرة على نقل الرسائل الثقافية والوطنية بأبسط الصور وأكثرها تأثيرًا، مشيرًا إلى أن الفن هو مرآة الشعوب وذاكرتها الحية.
ويقول عبدالمغيث: «للأسف، لا يوجد إقبال كافٍ من المنتجين على الأعمال التى تبرز حضارة مصر القديمة، رغم أن هذه الأعمال ترفع من قيمة الفن المصرى داخليًا وخارجيًا، نحن نمتلك تاريخًا استثنائيًا، لكن أغلب المنتجين يخشون المغامرة فى هذا النوع من الدراما بسبب تكلفته المرتفعة أو خوفهم من ضعف العائد التجارى».
ويكشف عبدالمغيث عن مشروعه الفنى الجديد قائلاً: «انتهيت مؤخرًا من كتابة سيناريو متكامل لمسلسل تاريخى يتناول سيرة الملك تحتمس الثالث، بأسلوب يجمع بين الحقائق الموثقة والتشويق الدرامى، أطمح أن يرى هذا العمل النور قريبًا، لأنه يقدم قيمًا خالدة عن التسامح والقيادة الحكيمة، ويظهر مصر كأرض للفكر والرحمة وليس للحروب فقط».
ويؤكد أن الدراما التاريخية ليست ترفًا فنيًا، بل هى استثمار فى الهوية الوطنية، مشيرًا إلى أن الجيل الجديد يحتاج إلى معرفة تاريخه من خلال الصورة والدراما، لا من خلال الكتب وحدها.
أما المخرج عصام السيد، فيرى أن استغلال الفن والدراما فى الترويج للسياحة يحتاج إلى تخطيط طويل المدى وتعاون مؤسسى حقيقى بين الجهات المعنية.
ويقول السيد:
«يجب أن ندرك أن كل فيلم أو مسلسل يصور فى موقع أثرى هو فى حد ذاته إعلان مجانى للسياحة المصرية أمام ملايين المشاهدين حول العالم، لذلك من المهم جدًا تسهيل تصوير الأعمال الأجنبية داخل مصر، كما تفعل دول مثل المغرب التى أصبحت وجهة مفضلة لصناع السينما العالمية».
ويضيف موضحًا: «وزارة الآثار مطالبة بأن تمنح التراخيص بسرعة ومرونة للأعمال التى تظهر مصر بصورة إيجابية، كما يجب وضع آلية واضحة لدعم الإنتاج الفنى الذى يساهم فى الدعاية السياحية، سواء من خلال تسهيلات مالية أو لوجستية».
ويقترح «السيد» فكرة مبتكرة تتمثل فى مشاركة شركة مصر للطيران فى إنتاج أعمال قصيرة تُعرض على شاشات الطائرات، موضحًا أن هذا النوع من الدعاية غير المباشرة يمكن أن يحقق تأثيرًا كبيرًا على المسافرين والسياح من مختلف الجنسيات.
ويقول المخرج محمد فاضل إن الأجيال القديمة من صناع الفن كانت تظهر مصر فى أجمل صورها دون تكلف، فكانت الكاميرا تلتقط جمال النيل والشوارع والمناطق الأثرية بشكل طبيعى، ما ساهم فى تقديم صورة مشرقة لمصر فى الخارج.
ويضيف فاضل: «اليوم أصبح الإنتاج الفنى فى مأزق حقيقى، فتكاليف التصوير ارتفعت بشكل كبير، خصوصًا فى المناطق الأثرية والسياحية، ولا يوجد منتج قادر على تحمل تلك الأعباء بمفرده».
ويؤكد فاضل ضرورة أن يكون هناك تعاون بين الدولة والقطاع الخاص لتقديم دعم جزئى لهذه النوعية من الأعمال، قائلًا: «لابد من أن تتكاتف وزارات السياحة والآثار والثقافة والإعلام مع صناع الفن من أجل إعادة هذه الصورة الجميلة عن مصر التى افتقدناها فى السنوات الأخيرة».
ويشير الناقد الفنى طارق الشناوى إلى أن مصر تمتلك تجربة رائدة فى استخدام الدراما والسينما للترويج للسياحة منذ منتصف القرن الماضى، قائلاً: «نتذكر جميعًا فيلم غرام فى الكرنك الذى تم تصويره فى الأقصر فى نهاية الستينيات، وكيف ساهم فى تنشيط السياحة بشكل غير مباشر، من خلال ربط الفن بالمكان والجمال بالتاريخ».
ويضيف الشناوى أن الدراما قادرة على تحقيق أهداف ثقافية واقتصادية فى آن واحد، فهى تغذى الوجدان وتنعش الاقتصاد فى الوقت نفسه ويطالب بإعادة إنتاج هذا النوع من الأعمال بأساليب معاصرة تتناسب مع المنصات الرقمية الحديثة التى يشاهدها العالم كله.
أما الناقدة خيرية البشلاوى، فتؤكد أن الترويج السياحى من خلال الدراما لا يتحقق بالإعلانات المباشرة، بل عبر السياق الدرامى الطبيعى الذى يظهر فيه المكان بشكل جاذب.
وتوضح البشلاوى «عندما يرى المشاهد مشهدًا عاطفيًا داخل معبد أو حوارًا إنسانيًا فى شارع أثرى، فإن الصورة تترسخ فى ذهنه ويشعر بجمال المكان، فيرغب بزيارته. هذه هى الدعاية الناعمة التى لا تفرض نفسها ولكنها تبقى فى الذاكرة».
وتستحضر البشلاوى أعمالًا قديمة مثل «غرام فى الكرنك» و»إجازة نصف السنة» التى قدمت مصر بوجهها المشرق والطبيعى، قائلة:
«اختفت هذه الأعمال منذ زمن، رغم أنها كانت من أنجح الوسائل فى تعريف العالم بجمال مصر وشعبها».
فاشون| كوليكشن «أميرة» لصيف ٢٠٢٦.. جرأة وبهجة
فاشون| بيوت تحت «الضغط» وصفة لمواجهة «بعبع» الامتحانات
منة شلبى وحمزة العيلى.. محمد سامى ويسرا







