المستشار طاهر الخولى يكتب: الاستثمار فى المستقبل .. «مصر القديمة» نموذجًا

المستشار طاهر الخولى
المستشار طاهر الخولى


لا تزال مصر الأرض النابضة بالحضارة، تحتفظ بكنوزها الحية فى وجدان أبنائها، وتنتظر مَن يُعيد إليها نبض الحياة، ومن هذا الإدراك العميق، تنطلق مبادرة «شباب مناطقنا أولى»، باعتبارها مشروعًا وطنيًا يستهدف تمكين فئة الشباب داخل مجتمعاتهم، وإشراكهم فى صياغة مستقبل مناطقهم، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن أبناء كل منطقة هم الأدرى بتفاصيلها، والأقدر على التعبير عن روحها، وصون هويتها.

إن هذه المبادرة لا تُقدم بوصفها برنامجًا تنمويًا تقليديًا، بل كونها رؤية متكاملة تُعيد تعريف العلاقة بين المواطن ومحيطه، وتُرَسِّخ مبدأ أن التنمية الحقيقية تبدأ من الداخل، من الناس ولأجل الناس، فالشباب ليسوا فقط طاقة الوطن، بل ركيزة البناء، وجسر العبور نحو المستقبل.

ويُعد منح الشباب الفرصة للعمل داخل مناطقهم، استثمار فى الإنتماء، وإحياء للهوية، وتفعيل لمبدأ العدالة التنموية، حيث تتحول كل منطقة إلى مركز إنتاج، وكل شاب إلى فاعل فى مسيرة التغيير.

ومن بين بِقاع مصر التى تختزن عبق الحضارة وروح التاريخ، تتجلى منطقة «مصر القديمة» كرمز خالد، يجمع بين عظمة الماضى وعبق الحاضر، فى قلب القاهرة وعلى ضفاف النيل، كمنطقة تختصر آلاف السنين من الحضارة المصرية، حيث تعاقبت عليها الديانات وازدهرت الفنون، وتجلت العمارة، لتكون شاهدًا حيًا على عظمة هذا الوطن.

وحين تذكر القاهرة التاريخية، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن هو «مصر القديمة»، تلك المنطقة التى تختزل فى جغرافيتها عبق العصور، من الحضارة الفرعونية إلى الفسطاط الإسلامية، مرورًا بالعصرين القبطى والرومانى، إنها ليست مجرد موقع أثرى، بل ذاكرة وطنية نابضة، وكنز إنسانى مفتوح، يروى فصولًا من التاريخ المصرى المُمتد عبر العصور.

وتنطلق المرحلة الأولى من المبادرة تحت شعار «أبناء مصر القديمة أولى»، لتكون نموذجًا يُحتذى به فى سائر ربوع الوطن، ولُبنى أولى فى مشروع وطنى شامل يُعيد الاعتبار للمجتمعات المحلية، ويمنح شبابها مفاتيح التمكين والمشاركة.

وتهدف المبادرة إلى تأهيل وتدريب شباب مصر القديمة على مهارات السياحة والإرشاد الأسرى والضيافة الثقافية بما يُواكب المعايير العالمية، ومنح الأولوية لأبناء المنطقة فى فرص العمل داخل المتاحف والمزارات والبازارات والمشروعات السياحية، لضمان استفادة المجتمع من موارده، مع نشر الوعى المجتمعى بأهمية حماية التراث وصيانته ببرامج تطوعية ومبادرات شبابية مستمرة، مع تحويل «مصر القديمة» إلى نموذج حى للسياحة المُستدامة، يُشارك فيه المجتمع ويجنى ثماره اقتصاديًا واجتماعيًا.

لكن لماذا مصر القديمة؟

لأنها تحتضن كنوزًا أثرية نادرة: من كنيسة «أبى سرجة» التى لجأت إليها العائلة المُقدسة، إلى «جامع عمرو بن العاص» أول جامع بمصر الإسلامية، مرورًا بالكنائس القبطية وآثار الفسطاط، والمتحف القومى للحضارة المصرية، الذى أصبح منارة للثقافة والهَوية.

كل حجر هنا يحكى قصة، وكل شارع يحتفظ بذاكرة أجيال، وكل بيت ينطق بتاريخ، وأبناء هذه المنطقة الذين نشأوا بين هذه الكنوز، هم الأجدر بأن يكونوا سفراءً لتُراثها، وحُراسًا لهويتها، وصُناعًا لمستقبلها.

إن المبادرة لا تنحصر فى تمكين الشباب فحسب، بل تسعى إلى إعادة تعريف مفهوم التنمية، بوصفها عملية تشاركية تبدأ من المواطن، وتُبنى على المعرفة المحلية، وتُوجَّه نحو الاستدامة والعدالة.. فلنجعل من مصر القديمة نموذجًا وطنيًا يُجَسَِد كيف يمكن للشباب أن يكونوا شركاءً حقيقيين فى التنمية وحُماةً للهوية، وروادًا فى صناعة المستقبل.. وليكن شعارنا: «من شباب مصر لمستقبل مصر.. ومن أبناء مصر القديمة لمجد مصر القديمة».