لا أنسى المشهد فى عام 1987، عندما كنت أصلى الجمعة فى مسجد صلاح الدين بالمنيل، والخطيب يدعو للتبرع لصالح ضحايا أفغانستان، بعد أن يملأ عينيه وصوته بالدموع والحزن، يبكى.. ويبكى معه المصلون.
كان المصلون أغنياء وفقراء يتزاحمون أمام المنبر، ويقذفون بمختلف العملات النقدية على الأرض فى شكل دائرة، ويتم جمع عشرات الآلاف من الجنيهات فى لحظات معدودة.
ذهبت هذه الأموال التى تبرع بها المصريون إلى الجماعات الإرهابية.. إلى أسامة بن لادن والظواهرى والملا عمر، وغيرهم، ولم تذهب لفقراء المسلمين الذين كانوا يموتون جوعًا وفقرًا وبردًا.
اشتروا بها الأسلحة والقنابل والمتفجرات، واكتنزوا الذهب والنساء والأموال، وحوَّلوها إلى حساباتهم فى البنوك التى تُموّل الإرهاب فى كل مكان فى العالم، واستثمروا تعاطف المصريين معهم فى جمع المليارات.
وبعد أن انتهت الحرب ورحل عنها السوفييت، صدرت الأوامر للإرهابيين بأن يعودوا إلى بلادهم، وأن يُجاهدوا ضد شعوبهم وحكوماتهم، وكان لمصر النصيب الأكبر، وأعلن الإرهابيون الحرب فى كل القرى والمدن، فلن تقوم لهم قائمة ولن تقوى شوكتهم مادامت مصر واقفة على قدميها، شامخة وصامدة وتُقاومهم بكل قوتها.
فى تلك الأيام السوداء، التى كنا ننام فيها فى أحضان الخوف ونستيقظ على أصوات الرصاص، رفع الإرهابيون شعار «عشرة قتلى كل يوم» ثم خفّضوه «لقتيل واحد».
وقف العالم يتفرج علينا وأحيانًا يشمت فينا، الأشقاء قبل الأصدقاء.. وزعموا أن الإرهاب شأن مصرى وظاهرة مصرية، وقالوا لنا: «عالجوا مشاكلكم حتى تتمكنوا من القضاء على الإرهاب».
لم يُصدّقوا صرخة مصر بأن الإرهاب ظاهرة عالمية وليس له دين ولا وطن ولا جنسية، ولن تفلت دولة ولا شعب من براثنه وأنيابه، وساعدهم الأصدقاء والأعداء بالأموال السخية والسلاح.
كان لابد أن يفيقوا ويعلموا أن الرقص مع الذئاب نهايته خطرة جدًا، عليهم وعلى شعوبهم وعلى البشرية، وأن الإرهاب ظاهرة عالمية وليست شأنًا مصريًا، وشربت أمريكا الكأس المرة الرهيبة فى أحداث 11 سبتمبر، واستيقظت كل الدول الأوروبية على تفجيرات هائلة أثارت الرعب والذعر فى قلوبهم.. وفى محطات المترو.
لم يُصدقوا حتى جاء الربيع العربى فى الحقبة الإرهابية الثانية، وانطلق الإرهابيون كالذئاب الجائعة يُفتتون الدول ويُشردون الشعوب.. إلا مصر.. بفضل الله وتضحيات أبنائها استطاعت أن تطهر ترابها الوطنى فى حروب طويلة.
الجماعة الإرهابية هى الخطر، والوريث الشرعى للإرهاب والإرهابيين، والمصدر الرئيسى لكل حركات التطرف والعنف، وهى الوعاء الذى يخرج منه الإرهاب، وتلعب باستراتيجية الكمون ثم الظهور ثم الكمون.. وهكذا.. حتى يأتى وقت الظهور لجمع أكبر قدر من التبرعات السياسية والدينية والأموال.
الجماعة الإرهابية تحلم باسترجاع الأجواء وتكرار نفس السيناريو، ويستثمرون أزمات الناس ومشاكلهم ويمزجون الدين بالسياسة بصورة تسىء إلى الدين وتقضى على السياسة، ويجب على الوطن الذى ذاق حلاوة الأمن والاستقرار والطمأنينة ألا يلدغ من نفس الجحر.

فى الخامس من يونيو
إدانة.. ولكن «2»
الذكاء الاصطناعى سفينة نوح







