خمسينة

كلمة من حرفين

عبد الصبور بدر
عبد الصبور بدر


ولا فخر، حصلت على أعلى درجة من التوبيخ من مدير تحرير أخبار الأدب -وقتها- الأستاذ مصطفى عبد الله فى مستهل مشوارى الصحفي، بمجرد أن انتهى الرجل من مطالعة تقرير كتبته بعد جولة فى معرض الكتاب، صار وجهه بلون ثمرة الطماطم، وصرخ صرخة سمعها المارة فى شارع الصحافة: إيه الـ(....) ده؟

كان ذلك فى صالة التحرير أمام عدد كبير من الزملاء، تركوا ما فى أيديهم للاستمتاع بمشاهدة وحش كاسر على وشك افتراس كائن ضعيف. ظل يروح ويجيء فى الصالة، يتفحص محتويات المكاتب كأنه يبحث عن آلة حادة؛ ليتمكن من قتلى بطريقة سريعة، وأنا منكمش فى مكاني، مستسلم لمصير مرعب.
ألقى بأوراق التقرير فى وجهي، وطلب منى أن أجلس وأصوب ما وصفه بـ«الخطأ الفادح»، وأعدت قراءة التقرير عشر مرات ولم أعثر على خطأ، كان يقف فوق رأسى يستعجلني، وفجأة رفع كفه عاليًا وأشار بسبابته إلى كلمة من حرفين، وسألنى بصوت مزلزل: «ما هذا؟».. فأجبت بصوت خافت مرتجف: «حرف جر».

قال: «اشطبه، واقرأ الجملة».. شطبته وقرأت، فسألني: هل تأثر الكلام بحذفه؟ قلت: «لا».. فقال ساخرًا: «أومال جنابك كاتبه ليه؟ وبعدين تعالى هنا.. هل تقبل بوجود حرف جر زيادة فى قصصك؟» قلت: «لأ طبعًا.. مش ممكن، الإبداع مسألة مختلفة!»

طقت عيناه شررًا وهو يقول: «لا يا حبيبي.. الصحافة إبداع.. وإذا مكنتش فاهم كده الباب يفوت حمار!»

كانوا أساتذة كبارًا، وما زالوا، وكنا صغارًا نرتكب مثل هذه الجرائم.. وما زلنا.