يحدث فى مصر الآن

الجماعات الإرهابية وعوامل فشلها

يوسف القعيد
يوسف القعيد


فى بعض الأحيان يرى الإرهابيون أن لديهم فرصة أفضل للوصول إلى أهدافهم إذا انضموا إلى مجموعة أقوى أو أنشأوا مجموعة جديدة

أهدتنى الدكتورة هالة رمضان رئيس المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية العدد الأخير من المجلة الاجتماعية القومية. وهى مجلة رصينة وجيدة، وقد توقفت فيها أمام بحثٍ كتبه الدكتور على غانم مدرس علم الاجتماع بالمركز عن الجماعة الإرهابية.

والورقة التى كتبها تتناول الجماعة الإرهابية سواء فى تراجعها أو انهيارها المفاجئ، أو زوالها الذى يمكن أن يعزى لأكثر من عامل اجتماعى واقتصادى وسياسي.

ويقول الباحث محذرًا إنه لا يوجد طريق وحيد يقود الناس للتطرف العنيف، بل هناك أكثر من طريق. ذلك أن الجماعات الإرهابية كائنات حية لها دورة حياة. فهى تبدأ ضعيفة فى مرحلة طفولتها ثم تقوى لتدخل المراهقة التنظيمية وتخور قواها لتستقبل موتها المحتوم. وربما قبل موتها تتفكك ويتوزع أعضاؤها على جماعات شابة أو ربما يلجأون لجماعة أخرى ليبدأوا بذلك جماعة إرهابية لديها نفس أيديولوجية الجماعة الأم التى ماتت لتوها. أو يجرون على هذه الأيديولوجيات بعض التعديلات والتكتيكات وآليات العمل.

وأشار العلماء الذين توفروا على دراسة الظاهرة إلى أن الجماعات الإرهابية تُظهر نمطًا دوريًا، ويؤكد العلماء أن الاتجاهات الإرهابية خلال أواخر القرن العشرين كانت تعمل فى دورات كل عامين. فعلى سبيل المثال قبل 11 سبتمبر 2001 توقع العلماء الخطر المتزايد لهجوم إرهابى كبير. ولكن مثل هذه المعلومات الاستراتيجية التى وفرت تحذيرات كانت محدودة الاستخدام فى التنبؤ بمكان حدوث الهجوم وبأى مجموعة وبأى وسيلة.

إن هذه المنظمات قد تفشل بإحدى طريقتين رئيسيتين، الأولى أن تتراجع المنظمة وتموت من خلال سلسلة من الأخطاء على مدار فترة زمنية. والطريقة الأخرى التى قد تموت بها المنظمة هى الموت المفاجئ التى يُعرِّفها العُلماء بالخسارة السريعة والكبيرة للعملاء والوكلاء والقيمة السوقية للمنظمة. كل ذلك بشكل غير متوقع بالنظر إلى الاتجاهات التنظيمية السابقة.

إن الموت التنظيمى أو حتى توقف العمليات العنيفة للجماعات أو المنظمات الإرهابية تخضع لجملة من العوامل والأسباب تتعلق بالبنية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الخارجية للمنظمة. وبعضها الآخر يتصل بالبنية الداخلية للمنظمة. وهذا يؤدى إلى تراجع العمليات وموتها والانتهاء منها.

كما أن الدراسة تقول إن هذه التنظيمات قد تتفكك نتيجة المنافسة بينها. ففى بعض الأحيان يرى الإرهابيون أن لديهم فرصة أفضل للوصول إلى أهدافهم إذا انضموا إلى مجموعة أقوى أو أنشأوا مجموعة جديدة. حيث تُجرى معظم الجماعات الإرهابية شكلا من أشكال التحليل لخطواتهم.

كما يرى العُلماء أصحاب هذا البحث أن التنافس بين المنظمات الإرهابية يرفع من مستوى العنف الذى يستخدمه المتنافسون. أيضًا فإن الوعى الجماهيرى فى حالة تواجده فإنه يشكل حالة صد ضد كل العمليات الإرهابية سواء خلال الإعداد لها أو الإقدام على تنفيذها.

أيضًا فإن الانشقاقات الكثيرة تحدث لمثل هذه الجماعات وبعضها يؤدى إلى انهيارها وانتهاء ما تقوم بها تمامًا. إن هذه الجماعات تلجأ للدين والدين منها بريء. فالدين هو علاقة بين الإنسان وخالقه. ولا علاقة له لا بالقتل ولا بالتدمير ولا بأى شيء آخر. لكنهم يجعلون منه ساترًا لما يقومون به من عملياتٍ إرهابية.
إن هذه الدراسة المهمة التى يجب أن نُحيى عليها المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية ورئيسته الدكتورة هالة رمضان تُنبِّه إلى المناخ العام الذى يوفر لمثل هذه الجماعات فرص العمل. والدراسة تُركِّز كثيرًا على الوعى والإدراك عند المواطنين الذين يُصبِحون خط دفاعٍ أول ضد هذه العمليات الإرهابية.

وأعتقد أن تجربة مصر العظيمة فى السنوات الأخيرة، وبالتحديد ابتداءً من 2013 حتى الآن، فإن هذه التجربة تُقدِّم نموذجًا نادرًا ومهمًا للقضاء على التطرف والإرهاب. وأنا أتمنى لحظة كتابتى لهذا الكلام أن نحتفل قريبًا جدًا بمحو أمية آخر مصرى لأن الأمية تُشكِّل مناخًا يعمل فيه هؤلاء القتلة والإرهابيون. وأعتقد أن الدولة المصرية الراهنة فى طريقها لتحقيق ذلك خلال المستقبل القريب جدًا. فالمتعلم يرفض الإرهاب والتطرف ويقف ضده ولا يُسلِّمه عقله بأى حالٍ من الأحوال.

إن تجربة المصريين مع الإرهابيين ووعيهم الوطنى العظيم تستحق أن تُروى فى أكثر من عمل أدبى وفنى ابتداءً من القصة القصيرة أو النص الروائى أو المسلسل الاجتماعى أو الفيلم السينمائى أو السينما التسجيلية. فتلك الوسائل تجعل الرسالة تصل إلى الجميع بأسرع ما يمكن.