بعث جديد للكتب

صورة أرشيفية
صورة أرشيفية


قبل عامين، ومع دخول أعمال طه حسين نطاق الملكية العامة، تحمست دور نشر عديدة لنشرها، بما أن حقوقها لم تعد حصرية أثار هذا الجدل، وانقسم المتابعون إلى سعداء بتعدد الطبعات ومنتقدين رأوا فى هذا نوعًا من الاستسهال والتخمة عن نفسى اعتبرت هذا الحماس تكريمًا مستحقًا لعميد الأدب العربى، وفرصة لإيصال صوته إلى أجيال جديدة لم يتعرف معظمهم عليه سوى من خلال دراسة «الأيام» فى المقررات الدراسية فكما نادى صاحب «تجديد ذكرى أبى العلاء» بأن يكون التعليم كالماء والهواء، علينا العمل على أن تكون أعماله هى الأخرى كالماء والهواء؛ متاحة للجميع وإن كان هنالك اشتراط وحيد فى هذا الصدد، فينبغى أن يتمثل فى خروج هذه الأعمال، بأفضل صورة ممكنة، تصميمًا وإخراجًا وتدقيقًا.

هذا الإقبال الكبير من دور نشر عديدة بإصدار أعمال الكتاب المهمين بمجرد دخولها إلى نطاق الملكية العامة لا يقتصر علينا، بل هو المعهود والمتوقع فى أسواق النشر الراسخة أيضًا، فتحرر عمل ما من محددات حقوق الملكية الفكرية، يُعد فى الغرب بعثًا جديدًا لهذا العمل، وحياة بل ربما حيوات أخرى تُمنح له.

وهناك مواقع إلكترونية عديدة مخصصة لإعداد قوائم بالأعمال التى سقطت حقوق ملكيتها الفكرية سنويًا، للفت نظر الناشرين لها.

فى 2025، على سبيل المثال، أصبح نشر أعمال مثل «الصخب والعنف» لوليم فوكنر، «وداعًا للسلاح» لإرنست هيمنجواى، «الصقر المالطى» لداشيل هاميت، وغيرها، متاحًا لمن يرغب فى نشرها.

المشكلة الحقيقية فى ما يخصنا، أن هناك كنوزًا مصرية وعربية لا يهتم أحد بتوفيرها للأجيال الجديدة رغم سقوط حقوق نشرها قبل عقود.

وفى حالات كثيرة، يكاد ينتهى ذِكر كُتَّاب كثيرين بمجرد وفاتهم، إذ يصبح من شبه المستحيل العثور على أعمالهم إلا إذا حرص قارئ مهتم على رفعها على الإنترنت فى صيغة إلكترونية وإتاحتها للآخرين.

هناك كتاب محظوظون بورثة يهتمون بكل ما يخص حفظ تراثهم الأدبى، فى حين أن هناك من يعرقل ورثتهم محاولات إعادة طبع أعمالهم، لأسباب شتى، أو على الأقل لا يكترثون بالأمر.

وفى الحالة الأخيرة، تأتى مرحلة الملكية العامة بوصفها إنقاذًا من تحكم طرف بعينه فى التركة الأدبية لهذا الكاتب أو ذاك. غير أنه فى كل الأحوال، قليلة هى دور النشر المهتمة باستعادة كتاب راحلين توارت كتبهم ونُسيَت، لأن الغالبية تركز على الأسماء الشهيرة والمضمونة لهذا نادرًا ما يُستعاد كتاب مهمون منسيون، فى ثقافتنا، من غياهب النسيان على غرار ما يحدث فى ثقافات أخرى.

غنى عن القول إن المسافة شاسعة بين أسواق نشر ذات تقاليد راسخة وسوق النشر العربى الموسوم -فى معظمه- بالفوضى وعدم احترام حقوق المؤلفين وسوء التوزيع من جهة، والمُحاصر بالبيروقراطية والقوانين المعطِلة من جهة أخرى.