ياسمين يحيى
افتُتح المتحف المصرى الكبير فى الجيزة؛ وهو صرح متفرد فى جوانب شتى، إلا أن قطعة العرض الأشد تألقًا غائبة عنه.
أثار تمثال نفرتيتى جدلًا فى الأوساط الثقافية والإعلامية الألمانية والمصرية بالتزامن مع افتتاح المتحف المصرى الكبير فى الجيزة، فقد تناولت صحف بارزة مثل Süddeutsche Zeitung وtaz وBerliner Morgenpost وDie Welt و Der Spiegel المسألة من زوايا مختلفة: حيث ركّز بعضها على القيمة الرمزية للرأس بوصفه «أيقونة الجمال المصرى»، فيما تناولت أخرى البعد القانونى والتاريخى لامتلاك ألمانيا له، ومساعى مصر المستمرة لاستعادته منذ أكثر من قرن، ومع إطلاق عريضة جديدة تطالب بعودتها إلى القاهرة وافتتاح المتحف المصرى الكبير، عاد الجدال القديم حول «الملكية الثقافية» و«العدالة التاريخية» ليحتل صدر الصفحات الثقافية من جديد.
فى هذه الأيام تتوجه أنظار العالم الثقافى بدهشة نحو الجيزة، حيث يجمع المتحف المصرى الكبير فى ذاته كل مظاهر العظمة، ففى مرمى البصر من الأهرام، وخلال ستة عشر عامًا من البناء نشأ متحف لا نظير له فى العالم، واليوم يُعرض فيه أكثر من مئة ألف قطعة أثرية، لكن لا يمكن لهذه العملقة المعمارية والفنية كلها أن تنسينا حقيقةً واحدة، وهى أن إحدى جواهر الفن المصرى -وربما هى درة تاج الفن العالمى- غائبة عن قاعات العرض الفخمة؛ إنها رأس نفرتيتى، التمثال الشهير للملكة المصرية، الذى يبلغ عمره 3500 عام، وقد صار عليه – وهو الآن درة متحف نويس (المتحف الجديد) فى جزيرة المتاحف ببرلين- العودة إلى أرض الوطن.
منذ قرابة عام وقَّع نحو 21 ألف شخص من داخل البلاد وخارجها على عريضة تطالب بعودة رأس نفرتيتى، إذ إنه -كما يتردد- "وصل إلى برلين بطريقة غير مشروعة"، وينبغى بدلًا من ذلك أن تكون فى المتحف المصرى الكبير فى القاهرة الكبرى، أما مُطلق تلك العريضة فهو زاهى حواس، الوزير الأسبق للسياحة والآثار، وهو يسعى منذ عقود إلى استعادة نفرتيتى، ورغم أن مؤسسة الإرث الثقافى البروسى لم تمل من التأكيد على أن نفرتيتى آلت إلى الملكية الألمانية عام 1913 "بشكل قانونى تمامًا"، ظلت المطالبة بإعادتها قائمة فعليًا على مدار مئة عام.
فى البداية أُخفيت، ثم احتُفى بها: كيف وصلت نفرتيتى إلى برلين؟
عُرض تمثال رأس نفرتيتى علنًا لأول مرة قبل مئة عام، تحديدًا فى الأول من أبريل عام 1924، فقد ظل رأس الملكة محجوبًا عن الأنظار لمدة أحد عشر عامًا؛ لأنه وصل إلى برلين بطريقة مثيرة للجدل، وعندها تسابقت الصحف على إطلاق ابتهالات الإعجاب، فقد حلت على برلين "امرأة إلهية الجمال"، ذات جمالٍ طاغٍ، بعينين واسعتين لوزيتين، وفمٍ مهيب القسمات، وعنقِ كالغزالة" ملكة بحق، واسمها هو: نفرتيتى، السيدة الأولى زوجة الملك إخناتون فى القرن الرابع عشر قبل الميلاد.
فى السادس من ديسمبر عام 1912 بمنطقة مصر الوسطى، وعلى الضفة الشرقية للنيل فى تل العمارنة، حيث قامت قديمًا العاصمة أخناتون، كان العامل الأثرى محمد أحمد السنوسى يحفر برفقٍ عبر طبقةٍ من الأنقاض، بدأ أولًا بفأسٍ صغيرة، ثم انتهى الأمر بالحفر بيديه، وفجأة أخرج من بين الأنقاض قطعة فنية ارتفاعها 48 سنتيمترًا ووزنها 20 كيلوجرامًا؛ إنه تمثال رأس الملكة نفرتيتى.
وقد كتب مدير الحفريات الألمانى وعالم المصريات لودفيج بورشاردت مفتونًا: "ألوان كأنها طليت للتو، عمل ممتاز للغاية، ولا جدوى من محاولة الوصف، فلا بد من إلقاء نظرة!"
كان بورشاردت يباشر أبحاثه فى مصر منذ عام 1911، وقد دعم التنقيب ماديًا التاجر البرلينى جيمس سيمون، محبّ الفن وجامع التحف، وإلى جانب رأس نفرتيتى المنحوت من الحجر الجيرى، اكتشف بورشاردت وفريقه قطعًا أثرية أخرى، من بينها ستةٌ وعشرون تمثالًا نصفيًّا فى الورشة القديمة للنحات تحتمس، وكما جرت العادة آنذاك، قُسِّمت المكتشفات، ليبقى نصفها فى مصر، ويُسمح بنقل النصف الآخر إلى الخارج.
لكن مصر لم تكن دولةً ذات سيادة فى ذلك الوقت، بل كانت خاضعة للحكم البريطانى، فى حين كانت هيئة الآثار خاضعةً لإشرافٍ فرنسى، ولذلك فالقرار حول أى الكنوز الثقافية يُسمَح بخروجها من البلاد لم يكن بيد المصريين، بل يقرر ذلك الموظفون الفرنسيون.
وفى تل العمارنة شغل فريقَ التنقيب الألمانى سؤال واحد قبل كل شىء: هل سيسمح الفرنسيون فعلًا بخروج تمثال رأس نفرتيتى من البلاد؟
جرت عملية التقسيم الرسمية للقطع الأثرية فى العشرين من يناير عام 1913، وكان على المفتش المسؤول جوستاف لفيفر أن يختار بين مجموعتين من المكتشفات؛ إحداهما تضم تمثال نفرتيتى، والأخرى تحتوى على لوح منقوش قابل للطى، فاختار لفيفر اللوح؛ وهكذا سُمح بانتقال رأس نفرتيتى إلى برلين، وهو قرار أثار الكثير من التساؤلات؛ فهل بدا للمفتش الفرنسى -وهو عالم لغات قديمة- أن اللوح المنقوش أكثر إثارة للاهتمام من تمثال نفرتيتى الملون؟ أم أن عالم المصريات الألمانى بورشاردت قد أخفى التمثال، وربما أهال عليه التراب ليحجب قيمته الحقيقية؟
لم ير لفيفر تمثال رأس نفرتيتى قط بحسب المزاعم سرعان ما تعالت الاتهامات بأن بورشاردت قد خدع الفرنسيين، وسيذكر فيلى ديمكه -أحد الموظفين السابقين فى المعهد الأثرى الألمانى فى القاهرة- بعد عقود أن رأس نفرتيتى لم يصل إلى برلين إلا "عن طريق الحيلة والخداع"، ويؤكد برونو جوتربوك، الذى كان حاضرًا عند القسمة عام 1913 بصفته سكرتيرًا للجمعية الشرقية الألمانية: "لفيفر لم يرَ التمثال قطّ، فقد كانت القطع الأثرية مودعة سلفًا فى صناديق عند تقسيمها، بحيث اتخذ الفرنسى قراره استنادًا إلى الصور الفوتوغرافية فقط"، ومن المعروف أنه عند وصول نفرتيتى إلى برلين عام 1913، لم تُعرَض على الجمهور، بل ظلت محجوبة عن الأنظار.
يكتب المؤرخ زيباستيان كونراد: "أخفى بورشاردت التمثال قدر المستطاع وسعى إلى الحيلولة دون عرضه علنًا؛ لأنه لم يكن متأكدًا تمامًا من مشروعية تصرفه"، ومن الواضح أن عالم المصريات خشى من مطالبة هيئة الآثار فى القاهرة باستعادة نفرتيتى، وفى تقريره عن بعثته فى تل العمارنة، يذكر بورشاردت تمثال الملكة فعلًا ويُرفق صورة لها، غير أنه يقول لاحقًا: "لقد اختيرت زاوية التصوير بطريقة تخفى الجمال الكامل للتمثال"، ويضيف أن تلك الصورة "كافية -عند الضرورة- لدحض أى حديث لاحق عن إخفاء التمثال".
حين تقرَّر إعادة التمثال إلى موطنه، تدخل هتلر شخصيًا.
ظل رأس نفرتيتى لسنواتٍ على مكتب جيمس سيمون، الممول الكبير لبعثة التنقيب وصاحب الحق فى جميع المكتشفات التى نُقلت من تل العمارنة إلى ألمانيا، ومع ذلك لم يبقَ هذا الأثر الفنى مخفيًا تمامًا؛ إذ كان القيصر فيلهلم الثانى يمتلك نسخة حجرية منه، ليعرضها على بعض ضيوفه المقرّبين، كما وجدت أيضًا صور فوتوغرافية للتمثال النصفى، ثم بدا أن استمرار إخفائه لا معنى له؛ ففى عام 1920 أهدى جيمس سيمون هذه التحفة الفنية إلى المتحف المصرى فى برلين، الذى شرع بعد وقتٍ قصير فى وضع خططٍ لعرضها.
وما إن عُرض التمثال النصفى علنًا فى الأول من أبريل عام 1924 حتى تحققت مخاوف بورشاردت؛ ففى العام نفسه طالب المدير الفرنسى لهيئة الآثار المصرية بإعادة القطعة الفنية إلى القاهرة، وفى الواقع توصّل المتحف البرلينى وهيئة الآثار، بعد مفاوضاتٍ استمرت لسنواتٍ، إلى اتفاقٍ يقضى بالمقايضة: تمثال نفرتيتى النصفى مقابل تمثال "رع نِفَر" بالحجم الطبيعى، وهو أحد موظفى الدولة فى المملكة القديمة.
وكاد هذا التبادل أن يتمَّ بالفعل، لولا تدخل أدولف هتلر فى خريف عام 1933، إذ قال: "أنا أعرف هذا التمثال النصفى الشهير، لطالما تأملته وأُعجبت به أيما إعجاب، إنه عمل فنى فريد، جوهرة، وكنز حقيقى"، وعندها أبدى هتلر رغبته فى تشييد متحف خاص من أجل نفرتيتى؛ ثم أوقف تسليمها فى الحال، وبهذا بقيت هذه التحفة الفنية الشهيرة فى برلين، ليظل الجدل قائمًا حتى يومنا هذا حول الأحق بملكيتها وأين ينبغى أن تُعرض.
دخل الربيع يضحك..رباعية سينمائية تستحق الاحتفاء
كفه عليها... وبين الاسمين تتفرد تلك المنطقة بسحرها الخاص؛ حيث تمتزج الروحانية بجمال
من مدرجات الجامعة إلى فضاء الثقافة والصحافة:







