أما بعد

الذين انتقدوا افتتاح المتحف!

أحمد باشا
أحمد باشا


لم يكن افتتاح المتحف المصرى الكبير مجرد عرض بصرى أو احتفالية رسمية، بل كان اختبارًا لنبض المصريين، مرآة صافية لوعى شعب ارتقى بذائقته وتطلعاته، وجعل من كل لقاء عالمى مع حضارته العريقة فرصة لتجديد فخره الوطني. وبينما انشغل البعض بانتقاد النقل التلفزيونى أو بعض فقرات الحفل، كان فى عمق المشهد ما يستحق التأمل، كيف صار الجمهور المصرى ذاته أقوى مؤشر على نجاح الدولة فى بناء وعى جديد، طموح، متطلع، ويقظ.

وقبل أن ندخل فى تفاصيل التفاعل والجدل، لا بد من أن نتقدم بالشكر والعرفان لكل من شارك فى هذا العمل.. للمخططين، للمبدعين، للفريق الفنى الذى عمل تحت راية الشركة المتحدة فى تنظيم ونقل الحفل إلى العالم، ولأيدى المصريين التى سهرت لتحويل حلم المتحف المصرى الكبير من مشروع على الورق إلى مَعلم حضارى يليق بتاريخ هذه الأرض. فكل جهد مبذول يستحق التقدير، وكل إخلاص للهوية لا يكتمل إلا بالشكر.

وإذ نرى الانتقادات تتقاطع مع الإشادة، يهمنى التأكيد أن جوهر المشهد ليس فى الجدل، بل فيما يعكسه هذا الجدل من تغير جوهرى فى وجدان الجمهور. نحن أمام مجتمع أصبح لا يرضى إلا بالأتم والأجمل، لا يقبل بأنصاف الحلول ولا بالأداء المتوسط، جمهور يتطلع إلى الكمال لأنه ذاق طعم الإنجاز الحقيقي، واطمأن إلى أن دولته تستطيع. وهذه فى رأيى قمة الإيجابية؛ أن يكون الشعب نفسه من يدفع نحو الجودة، ويختبر مؤسساته بعيون ناقدة وأذن واعية وقلب غيور.

فمنذ العام 2013، تشكل بين المصريين ودولتهم عهد غير مكتوب.. أن الثقة تُمنح، وأن الأداء يُراقب، وأن الطموح بلا سقف. ومن هنا صار المصريون لا يحتفون بنجاح مشاريعهم فحسب، بل يحرسون تفاصيلها أيضًا. صاروا جمهورًا صعب الإرضاء، لا تستهويه العروض الناقصة، ولا يشبع شغفه إلا ما يليق بتاريخ بلاده وطباعها؛ جمهور يجلس على مقعد الحكم، لا المتفرج، ويخوض نقاشًا وطنيًا حول الشكل والجوهر معًا.

ولعل أجمل ما فى مشهد الافتتاح أن الفرح بدا وكأنه انطلق من كل بيت وحارة وقرية فى مصر، لا كمجرد متابعة لحفل، بل كاحتفاء جماعى بالهوية المصرية التى أعادت اكتشاف نفسها وسط رهانات الحضارات. رأينا عيونًا تلمع بالفخر، وأصواتًا تتحدث عن الأجداد وكأنهم ما زالوا بيننا، وقلوبًا تضج باعتزاز، كأن كل حجر فى المتحف أضاء لنرى فيه أنفسنا من جديد.

تبقى التحية واجبة لكل فرد ساهم فى هذا الإنجاز، ولكل عقل وجهد وفكرة أوصلت حفل الافتتاح إلى هذه الضفاف الرفيعة من الجمال والتنظيم. والتحية كذلك لكل صوت نقدى صادق، ولكل رأى غيور على الوطن ومؤسساته، يثق فيها ويطالبها بالأفضل دائمًا.

فإذا كان المتحف المصرى الكبير نافذة على الحضارة، فإن الجمهور المصرى بات نافذة على الوعي. وهذا ما يجعلنا نطمئن.. لا على مستقبل المتحف وحده، بل على مستقبل هذا الوطن أيضًا.