من ضربات إيران إلى فنزويلا.. هل يعيد ترامب أمريكا إلى حروبها القديمة؟

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الفنزويلي نيكولاس مادورو والمرشد الإيراني علي خامنئي
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الفنزويلي نيكولاس مادورو والمرشد الإيراني علي خامنئي


في تسلسل سريع من العمليات والتهديدات العسكرية خلال الأشهر الأخيرة، أعاد الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب تعريف حدود استخدام القوة الأمريكية خارج أراضيها، محرّكًا نقاشًا محتدما داخل قاعدة مؤيديه وفي صفوف الحزب الجمهوري.

أشار تقرير وكالة «بلومبرج» إلى أن واشنطن شنت ضربات استهدفت البرنامج النووي الإيراني، وهاجمت مواقع للحوثيين في اليمن، ونفّذت عمليات أودت بحياة عشرات الأشخاص المشتبه بصلتهم بتهريب المخدرات في فنزويلا، ثم هدّد الرئيس الأمريكي، بإرسال قوات «مدجّجة بالسلاح» إلى نيجيريا لوقف موجة أعمال عنف.

تُصوَّر هذه الخطوات رسميا كوسائل لحماية المصالح الأمريكية ـــ من إحكام السيطرة على تدفّق المهاجرين إلى تعطيل شبكات المخدرات ـــ لكنّها أيضا فتحت صدور اعتراضات داخلية من أقطاب بارزين في تيار «ماجا» نفسه (الحركة المناصرة لترمب)، ما يضع دونالد ترامب أمام معادلة صعبة بين رغبته في «السلام بالقوة» واستجابته لتعهداته بعدم الانغماس في «حروب أبدية».

اقرأ أيضًا| تصعيد غير مسبوق.. إدارة ترامب ترسم بنك أهداف داخل فنزويلا وتحشد قواتها

 

خلفية زمنية

اتخذت إدارة ترامب سياسة خارجية اتسمت بتصعيد عسكري محدود وموجّه في مناطق متعددة.

فبحسب تصريحات البيت الأبيض، الهدف الرسمي، هو «حماية المصالح الأمريكية» عبر ما وصفته المتحدثة باسم الإدارة الأمريكية، بأنه «صفقات تجارية أكثر عدلاً، وضمان التزام الحلفاء بإنفاق دفاعي أعلى، والضربات ضد تجار المخدرات»، مع التشديد على مبدأ «السلام بالقوة»، ويبرر هذا التفسير الرسمي العمليات الجوية والضربات الموجّهة التي نفّذتها القوات الأمريكية أو أذنت بها الإدارة خلال الفترة الماضية.

 

عمليات داخل إيران ونتائجها

أمرت واشنطن بشن ضربات استهدفت منشآت مرتبطة ببرنامج إيران النووي، في ما وصفته مصادر الإدارة بأنه تحجيم لقدرات طهران النووية.

ووفق تقارير إعلامية وتحليلات، أدت هذه الضربات إلى إلحاق أضرار بقدرات محددة في البنية التحتية النووية الإيرانية، وأثارت نقاشًا إقليميا حول مدى تأثيرها على مكانة إيران الإقليمية.

واعتبر مراقبون أن استهداف البرنامج كان محاولة لرفع كلفة استمرار التهديد النووي لدى طهران، لكنّها أيضا حملت مخاطر تصعيد وتداعيات جيوسياسية. 

 

ضربات ضد الحوثيين في اليمن

نفّذت الولايات المتحدة هجمات على مواقع تابعة للحوثيين في اليمن، في سياق التصدي لما وصفته واشنطن باعتداءات وتهديدات على الممرّات البحرية والمصالح الإقليمية.

كان تصنيف هذه العمليات من قبل البيت الأبيض عسكريًا محدودًا وموجهًا، مع هدف معلن هو حماية الملاحة ووقف هجمات تهدّد شحنات إقليمية ودولية.

كما أثارت تلك الإجراءات ردود فعل دولية وإقليمية متباينة، بين من رحّب بتقليص التهديدات ومن حذّر من تعقيد المشهد. 

 

عمليات ضدّ شبكات المخدرات في فنزويلا

خلال الشهور الماضية نفّذت إدارة ترامب عمليات أفضت إلى مقتل عشرات أشخاص قيل إنهم «تجار مخدرات» مرتبطون بشبكات تعمل في فنزويلا.

البيت الأبيض ربط هذه العمليات بمحاربة تهريب المخدرات إلى الولايات المتحدة وحماية الأمن الداخلي، في حين أثارت هذه الخطوات حسابات قانونية وأخلاقية وسياسية حول الحدود التي يجوز للولايات المتحدة أن تتجاوزها خارجيًا لملاحقة أهداف متورِّطة بجرائم عابرة للحدود.

كما أثارت انتقادات من جهات داخل تيار محافظة تحذر من سابقة استهداف خارجي قد تفتح أبوابا لصراعات أوسع. 

اقرأ أيضًا| أهداف ملتبسة.. 3 أسئلة تكشف غموض «حرب ترامب ضد قوارب المخدرات» في الكاريبي

 

انقسام داخل «ماجا»

رغم الخطاب الرسمي الذي يشدّد على إنجازات «أمريكا أولاً»، ظهرت انقسامات داخل قاعدة دونالد ترامب نفسها.

فمثلا شخصيات بارزة مرتبطة بـ«ماجا» ـــ مثل ستيف بانون وتاكر كارلسون ـــ أبدت تحفظات حادة على الضربات أو أي مشاركة ميدانية قد تقود إلى انخراط أمريكي أكبر.

بعضهم رأى في هذه التحركات خيانة لوعد ترامب بإنهاء «الحروب الأبدية» وبقاء الولايات المتحدة خارج صراعات باهظة الكلفة.

وفي الوقت نفسه، أبدى نواب وحلفاء آخرون من التيار التقليدي الجمهوري تأييدًا لسياسة أكثر تشددا في مواجهة خصوم إقليميين، وهذه المعارضة الداخلية تحوِّل أي قرار بالتوسع أو الإبقاء على العمليات إلى قرار سياسي محسوب بعناية. 

فيما أشار محللون إلى أن إدارة ترامب استنتجت من الولاية الأولى أن العمليات المُوجَّهة عن بُعد ـــ غارات جوية أو ضربات بطائرات مسيّرة ـــ يمكن أن تُنفَّذ دون دفع ثمن سياسي محلي كبير طالما أن القوات الأمريكية لم تتعرّض لخسائر مباشرة.

 

تداعيات احتمالية

وقال خبراء دفاع إن أي التزام بإرسال قوات برية حتى ولو بعدد محدود يفتح أفقًا من الصعوبات اللوجستية والسياسية، من حفرة تكلفة غارقة إلى تغيير في الأهداف وسيناريوهات تصعيد قد تتطلب مزيدًا من الانخراط.

كما أن مثل هذه التحركات قد تؤثر على تحالفات الولايات المتحدة ومكانتها الدبلوماسية في مناطق متعدّدة، وتعرّض إدارة واشنطن لضغوط من الداخل والخارج لمحاسبة وتقييم جدوى الأهداف المعلنة.

وبحسب وكالة الأنباء الدولية، يقرأ العمل العسكري المحدود والموجّه الذي تنتهجه إدارة ترامب كامتدادٍ لرؤية «السلام بالقوة» التي تعود إلى مدارس سياسة خارجية تقليدية، لكنه في الوقت نفسه يضع الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب تحت ضغط متزايد من قاعدته التي طالبت مرارًا بعدم العودة إلى حروب واسعة.

وستكون قدرة البيت الأبيض على موازنة هذين المسارين ـــ الردع والالتزام بوعود عدم التورط طويل الأمد ـــ العامل الحاسم في الحفاظ على تماسك تحالفات داخلية وخارجية، وفي تحديد ما إذا كانت هذه السياسات ستؤتي ثمارها أم تُورّط البلاد في دوامات جديدة من الانخراط العسكري.