لم تعد أوجاع الحياة تصقل أبناء هذا الجيل كما صقلت من قبلهم. صار كل شيء ميسّرًا وسهلًا حتى في التربية، ففقدت الحياة معناها التربوي القاسي الذي كان يُنشئ فينا الصلابة ويعلّمنا كيف نتحمّل وننهض بعد كل سقوط. اليوم نعيش زمنًا تُختصر فيه الرجولة في المظاهر، وتُقاس الأنوثة بالزينة والرفاهية، ونتناسى أن المسؤولية ليست فطرة، بل ثمرة تربية طويلة المدى. جيلٌ بأكمله نشأ بين آباءٍ مشغولين وأمهاتٍ مشتّتات، يبحث كلٌّ منهم عن التوازن بين العمل والحياة، فضاع الأبناء بين وفرةٍ مادية وحرمانٍ وجداني.
الأب يوفّر الراحة، والأم تمنح الحنان، لكنّ غياب القدوة والتوجيه جعلهما معًا يزرعان جيلًا هشًّا، ينهار أمام أول اختبارٍ حقيقي في الحياة.
حين يأتي وقت الزواج، نرى المشهد يتكرر بصورٍ مختلفة: شابٌ لم يتعلم بعد معنى المسؤولية، وفتاةٌ لم تُدرَّب على الصبر والمشاركة. يجتمعان تحت سقفٍ واحد، ليكتشفا أن الحب وحده لا يكفي، وأن الحياة المشتركة امتحانٌ لا يجتازه إلا من تعلّم مسبقًا الصبر والاحتواء.
وهنا تظهر الحقيقة الصادمة التي تعكسها الأرقام: فوفقًا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مصر (2024)، 38 %من حالات الطلاق تحدث خلال أول ثلاث سنوات من الزواج، و15% منها تقع في السنة الأولى فقط، بينما ارتفعت معدلات الطلاق إلى 25 حالة طلاق لكل 100 زواج جديد في بعض المحافظات. وتشير التقارير الاجتماعية إلى أن أكثر أسباب الانفصال شيوعًا تتمثل في الخلافات المادية، وضعف مهارات التواصل، وتدخل الأهل، وتوقعات غير واقعية من الحياة الزوجية.
هذه الأرقام لا تعبّر فقط عن أزمة في العلاقات الزوجية، بل عن أزمة في التربية والقيم التكوينية للأجيال الجديدة. جيلٌ تعلّم أن يطلب قبل أن يعطي، وأن يهرب قبل أن يصبر، وأن يرى في الراحة غايةً لا وسيلة، فأصبح الزواج بالنسبة لكثيرين تجربة عاطفية عابرة أكثر منه شراكة وجود ومسؤولية.
إنّ بناء جيلٍ مسؤول يبدأ قبل الزواج بسنوات طويلة، حين نعلّم أبناءنا أن الرجولة ليست نفوذًا ولا إنفاقًا، بل قدرة على العطاء والالتزام، وأن الأنوثة ليست ترفًا ولا دلالًا، بل وعيٌ بالمسؤولية وصبرٌ على البدايات الصعبة.
الحياة الزوجية ليست حظًّا، بل ثمرة تربية رشيدة. فالزواج لا يقوم على المظاهر ولا على الاحتفالات، بل على رجلٍ تربّى ليكون سَندًا، وامرأةٍ تربّت لتكون سَكنًا. وحين نفهم هذا المعنى، سنرى جيلًا أقوى، قادرًا على أن يبني بيوتًا لا تُهدم، ويواجه الحياة بصلابةٍ لا تذوب عند أول عثرة.
كاتبة المقال: أستاذ الإذاعة والتليفزيوون المساعد بكلية الإعلام -بنات- جامعة الأزهر

علي عبد الحفيظ يكتب: الأزهر الشريف ووأد الفتنة
تامر عادل يكتب: كأس العالم من عاصمة مصر الجديدة
فى الاحتفال بيوم إفريقيا التمسك بالتنمية المستدامة







