يوميات الأخبار

الهوية وأعداؤها

عبدالرحيم كمال
عبدالرحيم كمال


مصر محفوظة بالكمالات الأربعة، الحب والصبر والإيمان والرحمة،كمالات تجسدت عند  الناس فى أهل الله الصالحين

 تظل الهوية المصرية هوية ذات طابع فريد، ومن سمات تلك الهوية،مزاج أهل مصر الصوفى، مزاجًا معتدلًا رائقًا راقيًا، يضع مصر فى مركز المنتصف بين العقل والجنون، بين القسوة والرهافة، بين غلو بعض أهل السُنة وشطح بعض أهل الشيعة، نيلها صوفى يجرى زاهد بين أراضيها يوزع الخير والنعمة، قبورها مقامات من قبل الأديان الثلاثة السماوية شامخة مُتفردة، يقصدها الزوار من كل جنس ولون من أجل التبرك بتلك الحضارة،وحُبًا وتمسحًا فى أسرارها القديمة، اختارها أصحاب القلوب الكبيرة من أجل ذلك،وهاجروا إليها بعلومهم وأفكارهم المضيئة، وجعلوها مُستقرًا ومُقامًا، فهى صاحبة المقام من قبل أن يزورها صاحب المقام نفسه،والمقامات محفوظة فى صفحات التاريخ وقلوب العارفين والعقول السوية وحدها.

مرت بها السيدة العذراء وابنها السيد المسيح عليه السلام فى رحلتهما المقدسة لأنها بلد يليق به هذا المقام، ومازال تراب مصر يحمل نور مسيرتهم الطاهرة وأقبل نحوها الأولياء الصالحون من الغرب والشرق فى طريقهم للحج ولم يعودوا بعد الحج إلى بلادهم، بل اختاروا تلك البلد وطنًا ووضعوا فيها رحالهم، وبثوا فيها علومهم.

وظهرت عندها كراماتهم، ويظل العلم والحب هما الكرامتان اللتان لا يُدانيهما، كرامة رجال وهبوا أرواحهم لمنح العلم للناس وحصدوا محبة خالدة على مر العصور، هناك جذب روحى حقيقى فى أرض مصر يجذب إليه أصحاب الأرواح الكبيرة، وهناك قلوب حقيقية على تلك الأرض تعرف معنى الحب وتستقبله وتستثمره وتجعله مُتجددًا على مدى العصور، هذا البلد استطاع أن يكون معجزة حقيقية بين البلاد، قاوم الاحتلال  والاستعمار والمطامع بأخلاق نادرة الوجود، قابله بالصبر والإيمان والتوجه إلى الله والمقاومة المستمرة، فانكسر عند حدوده عُتاة العالم وأكثر أهل الأرض قسوة، ولم يقدر عليه جنس ولا قوم آخرون، مهما طال أمد الاحتلال والاستعمار كان يعود إلى سابق استقلاله وسابق حدوده المقدسة التى لم تتغير، يقول العامة إن البلاد محفوظة بالأقطاب الأربعة، والقطب عند الصوفية هو من بلغ الكمال فى السلوك والخلق الكريم وهو تعبير لا يجاوز الصواب أبدًا، لأن القصد أن مصر محفوظة بالكمالات الأربعة، الحب والصبر والإيمان والرحمة،كمالات تجسدت عند  الناس فى أهل الله الصالحين، وحينما ينظر أحدهم إلى أن الموالد الصوفية أمر مستهجن وقبيح ويخالف العصرية وروح التوحيد فهى نظرة قاصرة وافدة جاهلة هجينة، تفتقر إلى المعرفة الحقيقية لمصر وطبعها وطابعها وهواها الذى يميزها عن سائر البلاد، يُقال إن الفاطميين هم من أدخلوا بعض تلك الطقوس إلى مصر، وأنا أراه قولًا مُجافيًا للحقيقة، بدليل أنهم حكموا بلادًا أخرى مجاورة ولا يوجد فيها الآن، ذلك النوع من الاحتفال  والاحتفاء، وذلك لأن مصر هى التى حولت رغبات الفاطميين إلى معانٍ فنية ومظاهر احتفالية تناسب تاريخها العريق الممتد من آلاف السنين، تناسب رقصات الفلاحات الحاملات لزلع الماء  قرب الترع  والنيل، وتناسب رقصات الرجال بالعصا وقت السمر، إيقاع موسيقى مسجل على المعابد والمتاحف من قبل أن يختلف متحذلقو القرن الواحد والعشرين ويهاجمون مظاهر هى فى الحقيقة جذرًا عظيمًا من جذور تلك الهوية التى لا مثيل لها،الأمر ليس احتفالًا صاخبًا بالسيد البدوى ومولده الكريم، ولا تمايلًا للأجساد فى هيام احتفالًا بمولد سيدنا الحسين عليه السلام، لكنه طريقة تعبير المصريين منذ الأزل عن المحبة، هكذا يحب المصريون أحبابهم،يبادلون حُبًا بحب،ويردون علمًا بحب، ويكافئون عطاء بحب، ستجدهم هكذا فى مصر القديمة، وستجدهم هكذا يعبرون عن محبتهم للقديس مارى جرجس فى مولده، وستجدهم هكذا فى مسجد السيدة زينب،الأمر احتفاء بالمحبة بغض النظر عن عقيدة ودين المُحب.

إننا أمة تحتفى بالمحبة فى صدق، دون أن يخدش ذلك عقيدتهم، لأنه لا يخطر على بال المحب ولو للحظة واحدة ما يتهمه به، أولئك المعادون للهوية المصرية، وما تمايل مصرى فى وجد خالص لحبيبه،  ساكن المقام إلا لمحبة خالصة تامة لله الخالق الأعظم وحده لا شريك له، محبة تدفعه دفعًا للاحتفاء بكل من أحب حبيبه وأخلص له المحبة،المصريون يحتفلون بمحبتهم لله سبحانه وتعالى، وهو نوع من الحب فطر الله عليه أهل مصر من قديم الأزل، تغزل أخناتون فى الله الخالق الأعظم غزلًا عجيبًا سبق فيه بالتأكيد الحلاج وابن الفارض، وسائر أولئك الأولياء.

الذين ذابوا عشقًا فى محبوبهم، شرب أهل الذوق الخمر الحلال وسكروا من شدة الحب المباح حتى غابوا عن الحس والوعى، فى تلك البلد مصر كان الغناء للوطن يتماهى مع الغناء للحبيبة وذلك لطبيعتهم فى جعل الحب كأسًا واحدة لا تدرى زجاجة من محتواه فيرتعش القلب ويسرع اللسان بالدمج بين أطراف المحبة، فى الكأس الواحد، يشربه من اندهش عقله بتذوقه، وكلما ازداد شوقًا، كلما ازداد سحرًا، كلما ازداد معرفة وفهما.

لذا كان من الطبيعى أن يتهم أصحاب العقول القاصرة، والقلوب الحاسرة، العشاق بالكفر لأن الناس أعداء ما جهلوا،وأصدقاء من أمدهم بالمال، فراحوا يصرخون بالهجوم على المحبين البسطاء ويلعنونهم ويكفرونهم ساخرين منهم باعتبارهم أهل التوسل والمدّد، بينما هم فى نفس اللحظة يحنون جباههم فى خشوع لمن يدفع لهم المال طالبين منهم مزيدًا من المدّد، مدّدًا يحرك ألسنتهم ويدفعها للهجوم على كل ما هو مصرى أصيل، الهوية المصرية، هوية متعددة الطعوم، زكية الرائحة. وسطية المزاج، نغمتها حية، وإيقاعها لين كطمى النيل،حلو مذاقها، كماء النهر الصافى، من ذاقها عرفها ومن عرفها راح فى هواها منشدا.

يتعلم الوافد اليها معنى الغزل ومفردات الجمال، مدحت السيدة زينب بنت على بن ابى طالب رضى الله عنها، أهل مصر وقالت لهم : (يا أهل مصر، نصرتمونا نصركم الله، وآويتمونا آواكم الله، وأعنتمونا أعانكم الله، وجعل الله لكم من كل ضيق مخرجاً ومن كل هم فرجاً)، فأقام لها  أهل مصر مقاما فى قلوبهم لا يزول، ونعتوها ب (رئيسة الديوان) و(ام العواجز)،وراحوا يزورون حفيدة رسولهم، بحب واجلال وتقدير، ليس عبادة لقبر، ولا تقديسا لميت، ولكن الأمر كما قال الشاعر: (امر على الديار ديار ليلى... اقبل ذا الجدار وذا الجدار،وما حب الديار شغفن قلبي... ولكن حبى لمن سكن الديارا ).

هكذا نحن وهكذا هى هويتنا التى لا يعاديها إلا مغرض او جاهل، يريد ان يمحو جمالا لا يمحى، ويتهم ذوقا رفيعا لا يعرفه، ويقدم قرابينا لهويات أخرى، لا تعرفنا ولا نعرفها، هوية مادية لا روح فيها، وسيظل اعداء الهوية ينكرون على أهل المحبة،ويقبلون أحذية اهل المال، ويسيئون الظن فى الطيبين، ويقيمون الموالد لسادتهم دون حياء او خجل .