في دعوة جريئة تعبّر عن رؤية جديدة لعرض التاريخ المصري بطريقة توعوية وإنسانية، طالب خبير الآثار الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة ورئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية، بإنشاء قاعة خاصة داخل المتحف المصري الكبير لعرض مستنسخات من الآثار المصرية المنهوبة بالخارج.
بحيث تُروى من خلالها قصة كل قطعة منذ اكتشافها حتى خروجها غير المشروع من مصر، لتكون «رسالة حضارية للعالم» عن حق المصريين في تراثهم المسلوب.

قال الدكتور عبد الرحيم ريحان إن مصر أصبحت اليوم تمتلك صرحًا أثريًا قادرًا على حفظ وصيانة تراثها الإنساني بأعلى المعايير العالمية، وهو المتحف المصري الكبير الذي يضم 19 معمل ترميم على مساحة 33 ألف متر مربع، تشمل معامل للصيانة العلاجية والوقائية والبحث والتدقيق، فضلًا عن تجهيزاته الهندسية المتميزة مثل الجدران المقاومة للتفجيرات والأساسات المصممة لمواجهة الزلازل.
وأكد أن وجود مثل هذا المتحف يجعل ذرائع المتاحف الأجنبية في رفض إعادة الآثار المصرية المنهوبة بلا مبرر، إذ باتت مصر الأجدر والأكفأ في حفظ تراثها الوطني داخل بلدها الأم.
وأضاف ريحان أنه يقترح تخصيص قاعة من قاعات العرض المؤقت بالمتحف الكبير تُصمم بشكل فني رمزي يضع المستنسخات الأثرية بين قضبان «كالأسيرة»، في إشارة إلى أسر التراث المصري في الخارج، مع تعريف تفاعلي بكل قطعة عبر تقنية QR Code والدليل الصوتي المتعدد اللغات، ليتمكن الزائر من تتبع رحلة كل أثر منذ اكتشافه حتى نهبه.
- نماذج من الكنوز المنهوبة
وأشار خبير الآثار إلى أن أبرز القطع التي يجب أن تتضمنها هذه القاعة رأس الملكة نفرتيتي الموجودة حاليًا في متحف برلين بألمانيا، والتي خرجت من مصر عام 1912 في ظروف تحايل واضحة من عالم الآثار الألماني لودفيغ بورخاردت الذي وصفها في سجلات الحفائر بأنها "تمثال من الجبس" ليتمكن من اقتسامها لصالح بلاده، رغم علمه بأنها مصنوعة من الحجر الجيري الملون.

كما تناول قصة حجر رشيد الذي استولت عليه بريطانيا بعد تحالفها مع العثمانيين ضد الفرنسيين عام 1801، ليُنقل إلى لندن في ظروف استعمارية قسرية، مؤكدًا أن هذه الواقعة تُعد مثالًا صارخًا على استغلال قوة الاحتلال لنهب التراث المصري في وقت لم تكن فيه البلاد تملك سيادتها الكاملة.

ومن بين القطع التي ذكرها ريحان أيضًا تمثال حم إيونو، مهندس الهرم الأكبر، المعروض حاليًا في متحف بيلديزهايم بألمانيا، والذي خرج من مصر عام 1912 ضمن نظام القسمة الذي كان يُسمح بموجبه للبعثات الأجنبية باقتسام الآثار المكتشفة قبل صدور قانون حماية الآثار عام 1983.

وأشار كذلك إلى قناع "كا نفر" الجنائزي المعروض في متحف سانت لويس للفنون بالولايات المتحدة، والذي سُرق من مخازن سقارة في منتصف القرن الماضي وخرج بطرق غير شرعية، قبل أن يُعرض هناك بزعم شرائه قانونيًا.

كما لفت إلى زودياك معبد دندرة الذي نُزع من سقف المعبد ونقل إلى باريس على يد الفرنسي "سابستيان لويس سولينيه"، معتبرًا أن الحادثة جمعت بين جريمتين: تشويه الأثر وسرقته.
وشمل حديثه أيضًا مخطوط التوراة اليونانية (كودكس سيناتيكوس) المحفوظ بين المتحف البريطاني وجامعة ليبزج الألمانية، والعهدة النبوية الأصلية الموجودة بتركيا، والتي أخذها السلطان سليم الأول إلى الأستانة عام 1517.
- حقوق الحضارة المنهوبة
وحول الصعوبات القانونية في استعادة هذه الكنوز، أوضح ريحان أن إتفاقية حقوق الملكية الفكرية (تريبس)، الموقعة عام 1994، تجاهلت ما أسماه بـ"حقوق الحضارة"، إذ وضعت حماية للأعمال الفكرية الحديثة ولم تشمل التراث الإنساني القديم، مما سمح للدول الغربية بعرض واستنساخ الآثار المصرية والتربح منها دون دفع مقابل مادي أو اعتراف بحق مصر في ملكيتها الرمزية.

وأضاف أن الحل يكمن في تضمين الآثار ضمن بنود المنظمة العالمية للملكية الفكرية (الويبو) عبر تحرك رسمي مشترك من وزارتي السياحة والآثار والخارجية المصرية، بالتنسيق مع جامعة الدول العربية، لضمان الاعتراف الدولي بحقوق الدول الأصلية في آثارها المعروضة بالخارج.
كما أشار إلى أن إتفاقية اليونسكو لعام 1970، رغم أهميتها في مكافحة الاتجار غير المشروع بالآثار، تُستخدم من قبل بعض الدول كذريعة لرفض إعادة القطع التي خرجت قبل هذا التاريخ، ما يجعل استرداد كثير من الكنوز المصرية المنهوبة أمرًا بالغ الصعوبة.
- رسالة توعوية للعالم
واختتم الدكتور عبد الرحيم ريحان حديثه قائلاً إن إنشاء قاعة "الآثار المنهوبة" بالمتحف المصري الكبير سيكون بمثابة صرخة حضارية صامتة، تُظهر للعالم مدى الظلم التاريخي الذي تعرضت له الحضارة المصرية، وتُعيد إحياء الوعي العالمي بأحقية مصر في تراثها، مؤكدًا أن هذا المشروع لن يكون فقط توثيقًا للماضي، بل رسالة مستقبلية لحماية ذاكرة الإنسانية من النهب والتزييف.

«التلمذة الصناعية».. تصحيح مسار أم مغامرة محفوفة بالمخاطر؟
الأزهر والبرلمان والحكومة.. من يرسم ملامح قانون الأسرة الجديد؟
اقتصاد الفحم.. كيف تحولت "المكامير" إلى أزمة بيئية في الغربية؟







