د. هاني أبو العلا يكتب : المتحف المصري الكبير - ليتحرك عبر جغرافيا مصر

د. هاني أبو العلا
د. هاني أبو العلا


تشهد مصر في هذه الأيام حالة من الفرحة والفخر ممزوجة بشعور مهيب، بافتتاح هذا الحدث العملاق (المتحف المصري الكبير) الذي يمثل حدثا عالميا له خصوصيته، تم دعوة زعماء العالم للاحتفال به.

ويشكل الافتتاح إنجازًا بارزًا في مسار طويل، أخذ عدة اعوام  لبناء مؤسسة ثقافية ضخمة تقدم التراث الفرعوني المصري الفريد في قالب عصري، يمزج بين فن العرض المتحفي وأحدث التقنيات الرقمية للعرض والمحاكاة. يأتي هذا المشروع، الذي امتد العمل فيه لأكثر من عقدين، في إطار جهود السلطات لتعزيز قطاع السياحة الثقافية وتقديم تجربة فريدة للزوار، تجمع بين عمق التاريخ وجمال الموقع المطل على أهرامات الجيزة.

فهذا المتحف ليس مجرد إضافة جديدة على الخريطة الثقافية، بل هو أكبر متحف أثري في العالم يكرس لحضارة واحدة، وهي الحضارة المصرية العريقة. ويضم المتحف أكثر من 100 ألف قطعة أثرية، بعضها يعرض للمرة الأولى، على مساحة شاسعة تبلغ نحو نصف مليون متر مربع. وقد بدأ العمل على هذا المشروع العملاق في عام 2002، وشارك في تصميمه نخبة من المهندسين من أكثر من 80 دولة، ليتميز بموقعه الاستراتيجي على هضبة الأهرامات، حيث يمكن للزوار مشاهدة أهرامات الجيزة من خلال نوافذه، مما يجعلها خلفية حيّة تعكس عراقة التاريخ. وبالتالي، فإن وصف "الكبير" ليس مبالغة، بل هو وصف دقيق لعظمة هذا الصرح العملاق الذي يجمع بين دفاتر التاريخ لحضارة امتدت لآلاف السنين.
ومع كل هذه العظمة، فلماذا لا يكون المتحف المصري الكبير بداية لتأصيل الحضارة المصرية العملاقة؟

والفكرة هي أن تكون القطع الأثرية المعروضة في المتحف المصري الكبير، بمثابة أيكونة أو كلمة مفتاحية يمطلق منها الزائر في رحلات  ذات خطوط سير مقننة، عبر جغرافيا مصر لزيارة الأماكن الحقيقية، التي تؤرخ لوجودها هذا الآثار العظيمة، فتمتزج عظمة الإنسان بعبقرية المكان.
 فمصر لديها ثراء تاريخي وحضاري فريد، حيث تمتد آثارها عبر آلاف السنين، وتشكل جزءًا لا يتجزأ من التراث المصري في شتى أنحائها. 
وبدءا بزيارة المتحف المصري ورؤية القصص المبرمجة بتقنيات الواقع المعزز، فإن اكتمال التجربة باستغلال المواقع الأثرية في جميع أنحاء البلاد، يمكن من خلاله إنشاء متحفا مفتوحا يروي قصة الحضارة المصرية بكل تفاصيلها الزمانية والمكانية. 

 فمصر  تضم العديد من المواقع الأثرية الشهيرة، في بيئات جغرافية متباينة بين الطابع الحضري والطابع الريفي، بين المناخات المعتدلة والمناخات الحارة، مايمكن أن يمثل موردا سياحيا طوال فصول العام.

 والفكرة هي التخطيط لاستغلال هذا الحدث العملاق ليكون نقطة بداية لتسويق التراث المصري في كل أنحائها، من أهرامات الجيزة، إلى معابد الكرنك في الأقصر، ومعبد أبو سمبل في أسوان، إلى القصور والقلاع الإسلامية والقبطية، مثل قلعة صلاح الدين الأيوبي في القاهرة وكنيسة أبو سيفين في الإسكندرية. تلك الآثار لا تقدر بثمن، وتشكل مصدر فخر للشعب المصري والأمة العربية.

ولعل فكرة المتحف المفتوح تمكننا من خلال استغلال هذه الآثار في جميع أنحاء البلاد، لتحميل قصص عديدة لمصر العظيمة تمتد عبر الزمن، لتروي قصة الحضارة المصرية بكل تفاصيلها الزمانية والمكانية معا. 

ومن تلك المنصة أتمنى لو يتبنى فخامة الرئيس السيسي فكرة إنشاء مجلسا أعلى لتسويق التراث، يتضمن في أعضاءه علماء من عدة تخصصات، من الآثاريين، والجغرافيين، ومهندسي الاتصالات، وغيرهم، يكون دوره هو وضع السياسات الرامية للاستفادة بكل حبة من حبات الرمال، تمثل بصمة تراثية.

حفظ الله مصر

كاتب المقال: كاتب ومحلل سياسي وأستاذ نظم المعلومات الجغرافية بجامعة الفيوم