«تحتمس الثالث» من الأقصر إلى أروقة المتحف المصري الكبير

تحتمس الثالث في المتحف المصري الكبير
تحتمس الثالث في المتحف المصري الكبير


في قلب المتحف المصري الكبير، حيث تتجاور ملامح التاريخ العتيق مع أنفاس الحاضر، يستقر تمثالٌ من الجرانيت يشهد بالقوة والدهاء والحكمة معًا؛ تمثال الملك تحتمس الثالث، سادس حكام الأسرة الثامنة عشرة، يقف شامخًا داخل قاعات العرض الرئيسية، ليُذكّر العالم بأن هذا القائد العظيم لم يكن مجرد حاكم، بل كان أول إمبراطور في التاريخ، وصاحب أعظم إنجازات عسكرية في الحضارة المصرية القديمة.

تحتمس الثالث ابن الملك تحتمس الثاني والملكة إيزيس، عاش في البداية في ظل وصاية الملكة حتشبسوت التي تولّت الحكم من بعد وفاة والده؛ ظلّ بعيدًا عن الحكم لسنوات طويلة، حتى غابت حتشبسوت عن المشهد السياسي، فخرج "الأسد من عرينه" — كما يصفه الدكتور حسين عبد البصير في كتابه الفراعنة المحاربون.. دبلوماسيون وعسكريون — ليكتب فصلًا جديدًا من المجد العسكري المصري، ويُسطّر اسمه بأحرف من نور في صفحات التاريخ العالمي.

 

العبقري العسكري الذي علّم العالم فنون الحرب

لُقّب تحتمس الثالث بـ "أول إمبراطور في التاريخ"، لما حققه من توسّع هائل للإمبراطورية المصرية التي امتدت من نهر الفرات شمالًا حتى النوبة جنوبًا.
ويُعدّ من أعظم القادة العسكريين في التاريخ، إذ ابتكر نظامًا جديدًا لتقسيم الجيش إلى قلب وجناحين، وهو الأسلوب الذي أصبحت تعتمد عليه الجيوش الحديثة؛ وقد وصلت عبقريته إلى حدّ أن الإمبراطورية البريطانية استعانت بخططه العسكرية في الحرب العالمية الأولى أثناء معاركها ضد الدولة العثمانية.

معركة مجدو أول معركة موثقة في التاريخ

تُعتبر موقعة مجدو التي خاضها تحتمس الثالث ضد جيوش الحلف السوري بقيادة حاكم قادش، أول معركة في التاريخ القديم سُجّلت تفاصيلها بدقة.

اقرأ ايضا|الملكة حتشبسوت.. قصة أعظم سيدة في تاريخ مصر القديمة
ويرجع الفضل في ذلك إلى اليوميات التي نقشها تحتمس الثالث بنفسه على جدران معبد الكرنك، موثّقًا تحركات جيشه واستراتيجيته الحربية، لتكون بذلك أول وثيقة عسكرية شاملة في التاريخ الإنساني.

 

التمثال تحفة من الجرانيت تحكي أسطورة القوة

التمثال المعروض داخل قاعات المتحف المصري الكبير عُثر عليه في خبيئة الكرنك، ويُعد من أروع ما نُحت في عهد تحتمس الثالث؛ يُجسّد الملك في هيئة أبي الهول بجسد أسد ورأس إنسان، في رمزٍ يجمع بين القوة والعقل، مرتديًا غطاء الرأس الملكي المعروف بـ "النِمس"، المزيّن باللحية الملكية وثعبان الكوبرا الذي يرمز إلى الحماية الإلهية؛ بحسب الموقع الرسمي للمتحف المصري الكبير. 

النقش الهيروغليفي المنحوت بين قدمي التمثال الأماميتين تقرأ: «من خبر رع، المعبود الطيب، سيد الأرضين، محبوب آمون، ليمنح الحياة إلى الأبد».

التمثال مصنوع من الجرانيت الرمادي الفاخر، ويحمل رقم الأثر 9360، ويعرض اليوم في واحدة من أبرز قاعات المتحف، حيث يشكّل جزءًا أساسيًا من رحلة تحكي تاريخ الملوك المحاربين في مصر القديمة.

بفضل ذكائه الحربي، وحنكته السياسية، وبراعته في التنظيم والإدارة، أسّس تحتمس الثالث أول إمبراطورية عظمى في التاريخ، وظلّ تأثيره حاضرًا في الفكر العسكري لآلاف السنين بعد وفاته.

اقرأ ايضا|توت عنخ آمون من وادي الملوك إلى المتحف المصري الكبير

واليوم، ومع افتتاح المتحف المصري الكبير، يعود هذا القائد العظيم ليطلّ من بين أحجار الجرانيت التي حفظت ملامحه، في تذكيرٍ رمزي بأن القوة الحقيقية لا تزول، بل تُخلّد في ذاكرة الإنسانية.