بمناسبة افتتاح المتحف المصري الكبير، الذي يحتضن بين جنباته تمثال الملكة حتشبسوت، تُستعاد سيرة واحدة من أعظم النساء في التاريخ المصري القديم، بل في التاريخ الإنساني كله — الملكة التي كسرت القواعد، وأثبتت أن المجد لا يُورّث لجنسٍ بعينه، بل يُصنع بالإرادة والعظمة.
وُلدت حتشبسوت ابنةً للملك تحتمس الأول والملكة أحمس، من سلالة ملوك الدولة الحديثة، ونشأت في القصر الملكي تتعلّم فنون الحكم وأصول الإدارة منذ طفولتها؛ كانت ذات عقل متقد وطموح لا يعرف الحدود، ما جعلها محط إعجاب من عاصرها من رجال الدولة والكهنة.
تزوّجت من أخيها غير الشقيق تحتمس الثاني، وبعد وفاته تولّت الوصاية على العرش باسم ابن زوجها الصغير تحتمس الثالث؛ لكن سرعان ما برزت قوتها وشخصيتها القيادية، فأعلنت نفسها فرعونًا لمصر — في سابقة لم تعرفها الحضارة المصرية من قبل — متحدّيةً التقاليد التي حصرت الحكم في الرجال.
اقرأ ايضا|«رحلة الملك رمسيس الثاني» من قلب منف إلى عرش المتحف المصري الكبير
لتأكيد شرعيتها، أمرت حتشبسوت بتدوين نقوش مقدسة في معبدها الشهير بـالدير البحري، تُظهر الإله آمون رع وهو يعلن ميلادها الإلهي كابنة للآلهة ووارثة شرعية للعرش، لتصبح أول امرأة تحكم مصر كفرعون كامل السلطة والهيبة.
لم يكن عهدها مجرد فترة حكم، بل عصر نهضة حقيقي شهد ازدهارًا في العمارة والتجارة والفنون؛ فقد شيدت المقصورة الحمراء في الكرنك، وأعادت ترميم معابد الإلهة موت وباخت، وأمرت بنحت مسلّتين عظيمتين في أسوان تخليدًا لعبادة آمون رع.
اقرأ ايضا|توت عنخ آمون من وادي الملوك إلى المتحف المصري الكبير
كما ازدهرت التجارة في عهدها بفضل بعثتها الشهيرة إلى بلاد بونت (الواقعة بين إثيوبيا والسودان حاليًا)، التي جلبت الأخشاب والعطور والأحجار الكريمة، وأسهمت في جعل مصر مركزًا للرخاء والثراء في العالم القديم.
ويُعد معبدها الجنائزي بالدير البحري من أعظم ما شُيّد في تاريخ عمارة الحضارة المصرية القديمة، فقد صمّمه مهندسها المبدع سنموت على نحوٍ يُحاكي انسجام الطبيعة مع الفن، فبدا المعبد وكأنه جزء من الجبل ذاته، يتحدّى الزمن شاهداً على عظمة امرأة خلّدها التاريخ.
حكمت حتشبسوت مصر نحو اثنين وعشرين عامًا في سلام ورخاء، وانتهت حياتها بهدوء بعد أن تركت إرثًا خالدًا من المعمار والسياسة والحكمة؛ ويُرجّح أن مقبرتها الأصلية كانت تقع بالقرب من معبدها بالدير البحري، حيث لا يزال شاهدها الحجري يحكي قصة امرأة خُلقت لتُخلّد.
اقرأ ايضا|قبل افتتاحه.. مراحل إنشاء المتحف المصري الكبير
واليوم بينما يقف تمثالها في المتحف المصري الكبير شامخًا بين كنوز الحضارة، يتجدّد حضورها كرمزٍ للقوة والإبداع والقيادة النسائية الخالدة.
إن قصة الملكة حتشبسوت ليست مجرد فصل من التاريخ، بل رسالة خالدة تؤكد أن المرأة المصرية كانت دائمًا، وستظل، قادرة على قيادة الأمم وصناعة المجد.

عقد بيضاء أو صفراء في الممبار.. علامات لا يجب تجاهلها
طريقة عمل «صوص رانش» بمكونات بسيطة في المنزل
5 قواعد أساسية للحفاظ على جمال وصحة الشعر القصير







