مشهدان يرسلان دلالات لا يمكن أن تخطئها العين؛ الأول: مقابلة ترامب مع مجلة التايم الأمريكية، التي تطرق فيها إلى قضايا ومستقبل الشرق الأوسط، دون تسليط الضوء على الدور المصري المحوري في وقف الحرب داخل غزة. الثاني: تهنئة بعثت بها الجامعة الأمريكية إلى دارسيها في القاهرة بمناسبة انتصار أكتوبر، تجاهلت فيها الانتصار العظيم واكتفت بعبارة: «كل عام وأنتم بخير بمناسبة عيد القوات المسلحة المصرية».
دلالات المشهدين تعكس حقيقة الموقف الأمريكي من مستقبل الشرق الأوسط، منزوعة من مساحيق التجميل التي تحيل الخطاب الأمريكي من القبح إلى الجمال.
المشهدان السابقان قد يبدوان في ظاهر الأمر مناقضين للاتجاه السائد حول طبيعة العلاقة الثنائية بين البلدين، إذ دأبت الولايات المتحدة على تصدير خطاب «الشراكة» مع مصر، بينما يمكن ترجمة أفعالها الحقيقية إلى رغبة في تفادي الصدام أكثر منها توافقًا حول مختلف القضايا.
هذه الاستراتيجية لا ترتبط بإدارة أمريكية بعينها، بقدر ما تجسد تحولًا في الرؤية الاستراتيجية الأمريكية التي تسعى بجدية نحو نقل مركز الثقل من الشرق الأوسط إلى آسيا والمحيط الهادئ، استعدادًا لصدام طويل المدى مع الصين التي وصفتها التقارير البحثية الأمريكية بأنها «المنافس الوحيد القادر على إعادة تشكيل النظام الدولي». والشيء بالشيء بذكر؛ لا يمكن فصل الحرب الباردة بين واشنطن وبكين عن توريط روسيا في حرب لا تنتهي مع أوكرانيا، بما يفضي إلى تحييدها عن الصين.
وبالعودة إلى العلاقات المصرية–الأمريكية، من المؤكد أن واشنطن تدرك جيدًا أن مصر رقم صعب لا يمكن تجاوزه في ما يُعرف بـ«هندسة الشرق الأوسط الجديد». كما أنها أُصيبت بحرج بالغ نتيجة الخطوط الحمراء التي حددتها القاهرة فيما يتعلق بتهجير الأشقاء من غزة، وهو ما كشف التناقض الأمريكي بين شعار «حل الدولتين» وخطط تصفية القضية الفلسطينية.
🔳🔳🔳🔳🔳🔳🔳🔳🔳🔳🔳🔳
قبل سنوات، قالت سوزان مالوني الباحثة في مؤسسة بروكينغز إن واشنطن لم تعد تسعى إلى إعادة بناء الشرق الأوسط، بل إلى إدارة انسحابها منه دون خسائر استراتيجية.
هذه العبارة تختصر طريقة التعاطي الأمريكي مع أزمات المنطقة — باستثناء الملف النووي الإيراني — حيث تفضّل إدارة الأزمات بما يتوافق مع مصالحها، مع تمرير عبء «الحلول» إلى حلفائها الإقليميين. غير أن هذه الاستراتيجية تتحطم على صخرة الموقف المصري، الذي يبادر إلى طرح حلول تتسق مع طبيعة دول المنطقة، قبل أن يُبدي الرفض. ومن هنا يمكن فهم سر حالة الجفاء غير المعلنة بين القاهرة وواشنطن.
فالمشهد العلني يوحي بتعاون وثيق في ملفات غزة والسودان والبحر الأحمر، لكن ما يجري خلف الستار يشي بتفاوت عميق؛ فالقاهرة تنطلق من رؤية عربية للأمن الإقليمي، فيما تتعامل واشنطن بمنطق «الأمركة»، أي تحويل الحلفاء إلى أدوات تخدم المشروع الأمريكي الأكبر: «الاستدارة إلى المسرح الآسيوي».
وحتى لا يكون الكلام مرسلًا، نعود إلى عام 2022، حين نشر مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي دراسة بعنوان «نهاية الوجود الأمريكي في الشرق الأوسط»، خلصت إلى أن الإدارة الأمريكية تتجه نحو «خصخصة النفوذ» في المنطقة، أي ترك مسؤوليات الأمن والطاقة للحلفاء، مقابل التزام نسبي بحمايتهم. غير أن مصر، انطلاقًا من سيادة قرارها الوطني، نأت بنفسها عن الدخول في هذا المزاد الجيوسياسي، ومن هنا يمكن توصيف العلاقة بين البلدين بأنها: «شراكة مرنة تسمح بالتعاون أو الاختلاف».
🔳🔳🔳🔳🔳🔳🔳🔳🔳🔳
قد يرى البعض أن ما سبق يتناقض مع أهمية الشرق الأوسط بالنسبة للولايات المتحدة، لكن الحقيقة أن واشنطن، منذ نجاحها في تثبيت أركان إسرائيل، باتت تتعامل مع المنطقة باعتبارها عبئًا لوجستيًا وأمنيًا يستنزف مواردها. وما يدلل على ذلك التقارير الغربية التي تحدثت عن خفض الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة بنسبة 45% مقارنة بعام 2011، مع تحوّل القواعد العسكرية إلى «نمط المرونة التشغيلية»، الذي يتيح الانتشار السريع دون تمركز دائم.
هذا الانسحاب الناعم تزامن مع إعادة تعريف التحالفات، بحيث تصبح إسرائيل مركزًا إقليميًا للتكنولوجيا العسكرية والأمنية، تحيط بها دول انتقلت من خانة العداء إلى الصداقة، موثقة باتفاقيات تطبيع.
وأمام هذه المسعى الرامي إلى «أمركة إسرائيل»، برز الرفض المصري، إذ يرى أن هذا النموذج يكرّس الهيمنة الإسرائيلية ويقود إلى تصفية «غير رحيمة» للقضية الفلسطينية. ووفق تصريحات الرئيس عبدالفتاح السيسي المتكررة، لا يمكن فصل الأمن القومي العربي عن إقامة دولة فلسطينية وفق مقررات الشرعية الدولية. لذلك، عندما حاولت واشنطن تمرير ترتيبات أمنية في غزة تتضمن نزع سلاح المقاومة كشرط للمساعدات، قوبلت تلك المقترحات برفض مصري قاطع، لأنها تمهّد لاحتلال ناعم من بوابة «إعادة الإعمار».
تبقى دلالة أخرى لا يمكن تجاهلها، وهي أن الموقف المصري الصلب في مواجهة مخططات تصفية القضية الفلسطينية يعيد التذكير بأن القاهرة ليست مجرد وسيط، بل طرف رئيسي حريص على تحصين الأمن القومي العربي.
فحين تتحدث مصر عن «حل الدولتين»، فإنها لا تستدعيه كشعار دبلوماسي، بل كآلية لحماية المنطقة من سيناريوهات التصعيد، على عكس واشنطن التي تتعامل معه كورقة تُستخدم حسب المصلحة.
بيت القصيد في الأمر، أن العلاقة بين مصر والولايات المتحدة متفردة واستثنائية؛ تصل في بعض الملفات إلى شراكة كاملة، وفي أخرى تتحول إلى ندية كاملة.
وفي كلتا الحالتين، لا يمكن لأيٍّ منهما الاستغناء عن الآخر، خاصة في ظل حالة السيولة الاستراتيجية التي تعاني منها المنطقة. ويتوجب على أمريكا أو غيرها أن تدرك أن مصر كانت وتظل وستظل الرقم الصعب في المعادلات الإقليمية والدولية.

شعب مصر.. وجيشها
إدانة.. ولكن «1»
التعامل مع البنوك بالتليفون ممنوع







