وراء عظمة المتحف المصري الكبير.. جنود مجهولون صنعوا مجد الحضارة من جديد

المتحف المصري الكبير تصوير : جان نجاح
المتحف المصري الكبير تصوير : جان نجاح


بين أروقة المتحف المصري الكبير لا تُروى فقط حكايات الملوك والفراعنة، بل تُكتب أيضًا فصول حديثة عن أبطال من نوع آخر؛ مهندسون، وفنيون، وعمال، نذروا سنوات من أعمارهم ليصنعوا صرحًا يليق بتاريخ مصر وحضارتها، إنهم "جنود المتحف المجهولون"، الذين عملوا في صمت ليعيدوا للعالم صورة مصر المبدعة، صانعة الجمال عبر العصور.

قالت المهندسة وفاء عطا، منسقة العرض المتحفي في المتحف المصري الكبير، إن جميع العاملين في المشروع يشعرون بفخر عميق لانتمائهم إلى هذا الصرح العالمي الذي يُعد أيقونة معمارية وثقافية فريدة من نوعها.


وأضافت: "كل من شارك في بناء المتحف يعتبر هذه التجربة رحلة مهنية وإنسانية لا تُنسى، فهنا عشنا سنوات من التحدي والحلم والعمل الدؤوب".

وأوضحت عطا أن كثيرًا من المهندسين والعاملين يحتفظون بصور من مراحل البناء الأولى توثق لحظات لن تُنسى، قائلة: "لديّ صورة أمام السلم العظيم عندما كان لا يزال في بداياته، مشهد بسيط لكنه يختزل سنوات من الجهد والتعب والفخر".

وبيّنت أن المشروع شارك في إنجازه أكثر من خمسة آلاف شخص من مهندسين ومهندسات وفنيين وعمال، ما يجعله واحدًا من أضخم المشروعات الثقافية والأثرية في تاريخ مصر الحديث.

وتابعت:"التحقت بالمشروع عام 2014، وهناك زملاء بدأوا منذ عام 2013. كانت رحلة مليئة بالحماس، وكنّا ندرك أننا نبني مشروعًا سيظل علامة مضيئة في التاريخ المصري".

وأكدت عطا أن المتحف المصري الكبير يُعد أكبر متحف أثري في العالم من حيث المساحة وعدد القطع الأثرية التي يضمها، مشيرة إلى أنه مشروع استثنائي لا يتكرر كثيرًا في حياة أي مهندس أو متخصص في المتاحف، سواء من حيث الضخامة أو الدقة الفنية في تصميم العروض المتحفية.

جناح توت عنخ آمون.. درة التاج الذهبي

من جانبها، تحدثت المهندسة المعمارية منة هيكل، عضو الفريق المصري المشارك في تصميم جناح الملك توت عنخ آمون، مؤكدة أن العمل في هذا الجناح كان تجربة فريدة تمثل ذروة الإنجاز الثقافي في مصر الحديثة.

الملك الذهبي يعود إلى عرشه.. «توت عنخ آمون» يستقبل زعماء العالم

وقالت:"جناح توت عنخ آمون يضم أكثر من خمسة آلاف قطعة أثرية داخل قاعتين تمتدان على مساحة نحو 7500 متر مربع، في عرض يحاكي المقبرة الأصلية في وادي الملوك بكل تفاصيلها ".

وأضافت أن تصميم القاعات راعى القيمة الجمالية والتاريخية لكل قطعة، حيث تم وضع القناع الذهبي في موقع مركزي ليكون نقطة الجذب البصرية للزائر، مع استخدام تقنيات إضاءة متقدمة تحقق وضوح الرؤية دون التأثير على سلامة الأثر.

وأوضحت أن التحدي الأكبر كان في تحقيق التوازن بين جمال العرض والحفاظ على الأثر، وهو ما تطلب تنسيقًا دقيقًا بين الفرق الهندسية والأثرية لضبط درجات الحرارة والرطوبة وشدة الإضاءة بما يتناسب مع حساسية المواد الأثرية مثل الأقمشة والبرديات والخشب المطلي.

وأشارت هيكل إلى أن كل قطعة تم دراستها بعناية لتحديد موقعها داخل القاعة وطريقة عرضها المثلى، بحيث تُبرز جمالها دون الإخلال بأصالتها التاريخية، كما لعبت التكنولوجيا دورًا محوريًا في العرض من خلال وسائط تفاعلية رقمية ثلاثية الأبعاد تحكي قصة اكتشاف المقبرة على يد هاورد كارتر، مما يمنح الزائر تجربة غامرة تجمع بين المعرفة والمتعة.

وأضافت أن ما يميز مجموعة توت عنخ آمون هو تكاملها وشمولها، إذ تضم آثارًا ذهبية وخشبية ونسيجية متكاملة لمجموعة ملكية واحدة، وهي الحالة الوحيدة المكتشفة بهذا الكمال في العالم.

واختتمت هيكل حديثها قائلة: "العمل في تصميم الجناح المصري تم بأيادٍ مصرية خالصة مفعمة بالشغف والانتماء، وعندما تُفتح أبواب المتحف قريبًا للعالم كله، ستكون تلك اللحظة لحظة انبهار عالمي تليق بعظمة مصر وحضارتها الخالدة".

إن المتحف المصري الكبير ليس مجرد مبنى يحتضن آثار الأجداد، بل هو شهادة على عبقرية المصري المعاصر، الذي ورث روح البناء من أجداده الفراعنة، ليصنع بيديه مجدًا جديدًا يربط الماضي بالحاضر ويُعيد لمصر مكانتها كعاصمة للتراث الإنساني.