على مر الأزمنة سعت المرأة إلى المساواة مع الرجل في سوق العمل، ولكن في زمن الذكاء الاصطناعي، أصبحت القضية لا تعد بعدد المناصب، أو نسب المساركة، بل بقدرة كل طرف على مواكبة ثورة الذكاء الاصطناعي التي تعيد رسم خريطة العمل والمهارات حول العالم، حيث لم تعد الخوارزميات مجرد أدوات، بل شركاء في اتخاذ القرار.
◄ تهديد أم فرصة
وأظهر تقرير حديث لمنظمة العمل الدولية، أشار إليه مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء المصري، مفارقة لافتة أن النساء في العالم العربي أكثر عرضة لفقدان وظائفهم بسبب الأتمتة، بنسبة 5.3%، مقابل 1.6 فقط للرجال، والسبب أن أغلب النساء يعملن في وظائف مكتبية وروتينية، يسهل استبدالها بالتقنيات الذكية.

لكن المفارقة أن الذكاء الاصطناعي نفسه قادر على تحسين 22 % من وظئف النساء، مقابل 13 % فقط من وظائف الرجال، ما يعني أن التهديد والفرصة يسيران جنبا إلى جنب.
◄ لغة المستقبل
ويرى خبراء الذكاء الاصطناعي أن القضية لا تتعلق فقط بخطر فقدان الوظيفة، بل بمن يملك مهارات البقاء. وأن التحول الرقمي لا ينتظر أحدا، ومن لم يطور نفسه بمهارات الذكاء الاصطناعي سيصبح خارج المشهد، لأنه لم يعد رفاهية ولكن لغة المستقبل التي ستحدد من يشارك في صنع القرار ومن يدار به.
◄ نهضة رقمية
وأكدت مايا أيوب – مديرة منظمة wpmen in tech في السعودية وناشطة في مجال تمكين المرأة، أن أي ابتكار أو نهضة رقمية حقيقة لا يمكن أن تحدث إلا بالشفافية والعدالة.

وأشارت إلى أن النساء لا يجب أن يضفن بعد وضع الخطة، ولكن لابد أن يكونوا جزءا من وضعها من البداية.
اقرأ أيضا| الذكاء الاصطناعي أم الضمير.. من يحكم العالم؟
وأضافت أنها ضد فكرة أن مشاركة المرأة تكون مجرد تجميل أو استكمال للصورة، مشددة أنه يجب ضم النساء في قلب عملية التخطيط والتنفيذ من البداية، وليس بعد اتخاذ القرار.
◄ هل الذكاء الاصطناعي يهدد النساء؟
ووفقا لمنظمة women in tech، التي تعمل على تمكين 5 ملايين امرأة بحلول 2030، فإن إشراك النساء في مجالات التكنولوجيا لم يعد خيارا، بل ضرورة اقتصادية ومجتمعية.
وفي تقارير للمنظمة وصفت أن النساء المورد غير المستغل الأكبر في عالم التكنولوجيا، وأكدت أن تمكينهن في هذا المجال هو مفتاح بناء مجتمعات أكثر استدامة.

وفي ذات السياق، أكد خضر غليون مدير شركة وخبير بمجال الذكاء الاصطناعي، أن الذكاء الاصطناعي لا يهدد النساء بحد ذاته، بل يهدد الوظائف التي لم تتطور.
وأشار إلى أن الوظائف القائمة على مهام متكررة أو إدارية بسيطة هي الأكثر عرضة للاستبدال، وغالبًا ما تشغلها النساء في العالم العربي، لكن في المقابل، نفس الأدوات التي قد تستبدل وظيفة، يمكن أن ترفع وظيفة أخرى إلى مستوى أعلى من القيمة.
◄ توظيف الأدوات
وأضاف أن الذكاء الاصطناعي ألغى الحاجة إلى تنفيذ المهام الصغيرة، وخلق طلبًا جديدًا على مهارات التحليل، والإشراف، واتخاذ القرار المدعوم بالبيانات بمعنى آخر، هو لا يسحب الكرسي من تحت العاملات، بل يغيّر شكل الكرسي نفسه.

وأكد أن من تستوعب هذا التغيير وتتعلم كيف توظف الأدوات في خدمة دورها، تتحول من «منفذة مهمة» إلى «قائدة نظام». وهذه النقلة النوعية هي جوهر الفرصة.
وعن ما أبرز المهارات الضرورية اليوم، قال إن هناك ثلاث مجموعات مهارات أعتبرها الآن «أكسجين العصر الرقمي»:
أولًا - مهارات التقنية اليومية (Digital Fluency)
وهي الفهم العملي لأدوات الإنتاج الذكي واستخدامها لتحليل بيانات، تنظيم مهام، أو كتابة تقارير تلقائية، وأن المرأة التي تتقن هذه الأدوات تستطيع مضاعفة إنتاجها دون زيادة الجهد.
ثانيًا – مهارة الفهم الآلي (AI Literacy):
- فهم كيفية عمل النماذج الذكية وحدودها
- ليس المطلوب أن تكون مبرمجة، بل أن تعرف كيف تطرح سؤالًا دقيقًا للنظام، تراجع مخرجاته، وتصحح انحيازاته
- هذه المهارة بالذات تصنع الفرق بين من تستخدم الذكاء الاصطناعي، ومن يدير الذكاء الاصطناعي
ثالثًا - المهارات البشرية غير القابلة للأتمتة:
التحليل النقدي، حل المشكلات المركّبة، إدارة العلاقات، واتخاذ القرار في المواقف الغامضة.
كلما ازدادت الأتمتة، زادت قيمة من يفكّر ويبتكر ويتعامل مع البشر بذكاء.
وعن جاهزية المؤسسات العربية أكد خبير بمجال الذكاء الاصطناعي على النقاط التالية:
- جاهزة فعلًا لدمج النساء في مشاريع الذكاء الاصطناعي
- الجاهزية موجودة جزئيًا، لكنها ما تزال سطحية في أغلب الحالات.
- كثير من المؤسسات تتحدث عن «تمكين المرأة رقمياً»، لكن الواقع أن الأدوار التي تُمنح غالبًا تنفيذية أو تجميلية.
- التحول الحقيقي يبدأ عندما تكون المرأة في قلب عملية التصميم والقرار داخل مشاريع الذكاء الاصطناعي كمحللة بيانات، أو مشرفة جودة خوارزميات، أو قائدة فرق تطوير.

◄ مؤشرات مشجعة
وأشار إلى أنه في بعض الشركات الناشئة والمؤسسات التقنية، بدأت النساء يدخلن مجالات مثل تقييم النماذج وتدقيق البيانات الأخلاقية، وهي أدوار جديدة لم تكن موجودة قبل بضع سنوات. لكن ما نحتاجه الآن هو نقل الذكاء الاصطناعي من مرحلة الاستخدام إلى مرحلة “المشاركة في التصميم، وهذا يتطلب رؤية مؤسسية وليس مجرد تدريب قصير المدى.
اقرأ أيضا| «ميتا» تمنح الأباء القيود لمراقبة الأبناء أثناء الدردشة مع شخصيات الذكاء الاصطناعي
وتابع: من تجربتي في متابعة التحول الرقمي في المنطقة، أستطيع القول إن الذكاء الاصطناعي لا يقيس الجندر، بل يقيس الجاهزية. من تملك فضول التعلم، وتعرف كيف تربط بين التقنية والواقع، ستجد أن هذا العصر صُمم ليخدمها لا ليستبعدها.
وفي ذات السياق، يرى خبير الإعلام الرقمي والتسويق الدكتور أحمد صلاح عنبر، أن الذكاء الاصطناعي لا يُمثل تهديدًا للنساء العاملات في الإعلام الرقمي، بل يعد فرصة ذهبية لتعزيز حضورهنّ الإبداعي والمهني.
وتابع «الذكاء الاصطناعي لم يأتِ ليحل محل الإنسان، بل ليمكّنه من الإبداع والتفرّغ للمهام الفكرية والتحليلية. المرأة بطبيعتها تتفوّق في الفهم الإنساني والسياق الاجتماعي والتعبير الإبداعي، وهي عناصر يصعب على الذكاء الاصطناعي محاكاتها بالكامل، ما يجعل حضورها في هذا القطاع أكثر قيمة من أي وقت مضى».

ويضيف أن التقنيات الحديثة أزالت كثيرًا من الحواجز التي كانت تحول دون دخول النساء مجال الإعلام والتسويق، موضحًا: «اليوم يمكن لصحفية أو مختصّة تسويق أن تُنتج حملة رقمية متكاملة أو فيديو احترافي أو تحليل بيانات جمهور باستخدام أدوات ذكية متاحة للجميع. هذه الأدوات منحت النساء مرونة واستقلالية أكبر، وجعلتهنّ قادرات على قيادة المشاريع بدلًا من تنفيذها فقط».
وعن المهارات المطلوبة لتأهيل المرأة في بيئة العمل الجديدة، أشار الدكتور «عنبر» إلى أن المرأة اليوم تحتاج مزيجًا من الفهم التقني والذكاء الإنساني، موضحًا أن أبرز المهارات تشمل: التعامل مع أدوات الذكاء الاصطناعي، تحليل البيانات، التفكير الإبداعي، وصياغة القصص الرقمية.
ويختم حديثه بالإشارة إلى أهمية تطوير التعليم الجامعي في هذا الاتجاه:
- ما زالت الجامعات العربية في مرحلة التطوير، وبعضها بدأ يدمج الذكاء الاصطناعي في المناهج الإعلامية، لكننا نحتاج إلى شراكات أعمق بين الأكاديميا وسوق العمل لضمان إعداد جيل قادر على المنافسة في عصر الذكاء الاصطناعي. وكان لي مؤخرًا شرف نشر بحث علمي يستهدف بناء استراتيجية تطوير منظومة الإعلام الجامعي في عصر الذكاء الاصطناعي.

ورغم أن النساء يقفن على خط المواجهة الأول، إلا أن أمامهن فرصة حقيقية لوضع بصمتهن في عالم جديد لم تكتمل ملامحه بعد، لأن القيم التي تتميز بها المرأة كالذكاء العاطفي والقدرة على التواصل والمرونة أصبحت اليوم من أندر المهارات في بيئة رقمية قياسية ومشحونة بالأرقام.
إنها اللحظة التي يمكن للنساء فيها أن يتحولن من ضحايا التحول التكنولوجي إلى قاداته.
الذكاء الاصطناعي لن يأخذ مكان المبدعين
وقالت ملك علاء، مهندسة الذكاء الاصطناعي والمتخصصة في الأمن السيبراني، إن الذكاء الاصطناعي سيكون خلال السنوات المقبلة أداة قوية لدعم وتمكين المرأة في مختلف المجالات، مشيرة إلى أن إتقانه واستخدامه بالشكل الصحيح يمكن أن يختصر الكثير من الوقت والجهد في العمل اليومي.
وأضافت "إذا تعللم كل شخص كيف يستخدم الذكاء الاصطناعي بطريقة صحيحة في مجال عمله، فسيوفر عليه الكثير من المهام الروتينية، ويمنحه مساحة أكبر للتفكير الإبداعي والابتكار.
وأكدت الذكاء الاصطناعي لن يأخذ مكان المبدعين، بل سيصبح وسيلتهم للوصول إلى درجات أعلى من الإبداع.”
وأكدت ملك علاء أن الخطوة الأولى تبدأ من معرفة الإنسان لقدراته وما يريد أن يقدمه للعالم، قائلة:
“ابحث داخل نفسك أولًا: في أي مجال يمكنك أن تتفوق وتبدع؟ الذكاء الاصطناعي لن يبدع عنك، لكنه سيمنحك الأدوات لتكون الأفضل فيما تفعل.”
وفيما يتعلق بالجدل حول تحيزات الذكاء الاصطناعي، أوضحت أن تلك التحيزات طبيعية إلى حد ما، لأنها انعكاس لمن طوروه من البشر.
وأضافت أن الذكاء الاصطناعي قد ينحاز لفئات معينة أو يظهر ميولًا طفيفة نحو العرق أو الجنس أو الدين أو حتى الموقع الجغرافي، لأنه يتعلم من المحتوى المنتشر على الإنترنت. لكنه ليس منحازا بطبيعته، ويمكن تصحيح أخطائه بسهولة من خلال التدريب والتوجيه.”
واختتمت حديثها قائلة:
“الذكاء الاصطناعي في جوهره مثل طفل يتعلم مما يُلقّن له، ونحن من نوجهه ونعلمه. لذلك علينا أن نستخدمه باحترام ووعي، وأن ننتبه إلى اللغة والمحتوى الذي ننشره عبر المنصات الرقمية، لأننا نحن من نصنع مستقبله وسلوكه.


«التلمذة الصناعية».. تصحيح مسار أم مغامرة محفوفة بالمخاطر؟
الأزهر والبرلمان والحكومة.. من يرسم ملامح قانون الأسرة الجديد؟
اقتصاد الفحم.. كيف تحولت "المكامير" إلى أزمة بيئية في الغربية؟







