في سياق الوفد الإعلامي المصري الذي يزور الصين حالياً، تتجه الأنظار نحو متحف مدينة ليانجتشو الأثرية بمقاطعة تشجيانج، حيث تلتقي حضارتان عريقتان ولدتا على ضفاف نهرين عظيمين. فكما شهد وادي النيل ميلاد الحضارة المصرية منذ سبعة آلاف عام، شهدت ضفاف نهر اليانجتسي ازدهار حضارة ليانجتشو قبل خمسة آلاف عام، في الفترة ذاتها التي عرفت فيها مصر القديمة وبابل والهند بزوغ فجر الحضارة الإنسانية.
اكتشاف المدينة المفقودة
يكشف متحف ليانجتشو، وفقاً لوثائق المتحف الرسمية، أن رحلة اكتشاف هذه الحضارة بدأت عام 1936 على يد الباحث الصيني شي شينجنج في منطقة ليانجتشو بمحافظة يوهانج.
وعلى مدار ثمانية عقود من العمل الأثري المتواصل، نجحت أجيال متعاقبة من علماء الآثار في الكشف عن ملامح مملكة قديمة كانت مركزاً للسلطة والمعتقدات الروحية.
وتماماً كما أثبتت الأهرامات عراقة الحضارة المصرية، تقدم مدينة ليانجتشو دليلاً ملموساً على امتداد الحضارة الصينية لخمسة آلاف عام.
اقرأ أيضًا| وزير الثقافة: مشاركة فرقة "الحرية للفنون الشعبية" في فعاليات صينية
حضارة متكاملة على ضفاف اليانجتسي
تمتد ثقافة ليانجتشو، حسب السجلات الأثرية، على مساحة شاسعة تبلغ 36,500 كيلومتر مربع حول بحيرة تايهو في مجرى نهر اليانجتسي، وهي مساحة تقارب مساحة دلتا النيل التي احتضنت الحضارة المصرية.
اكتُشف حتى الآن أكثر من 600 موقع أثري يعود لهذه الثقافة التي ازدهرت بين عامي 5300 و4300 قبل الميلاد.
وما يثير إعجاب الوفد المصري أن هذه الحضارة شهدت تطوراً ملحوظاً في زراعة الأرز، وتقسيماً اجتماعياً معقداً مع طبقات واضحة، ونظام معتقدات روحية موحدة، وهي سمات تشبه بشكل مدهش ما عرفته الحضارة المصرية من تنظيم اجتماعي وديني محكم.
قلب المملكة القديمة
تقع مدينة ليانجتشو الأثرية في منطقة استراتيجية داخل حوض على شكل حرف "C" تبلغ مساحته ألف كيلومتر مربع، محاطة من الجنوب والغرب والشمال بجبال تيانمو.
وبحسب الدراسات الأثرية المنشورة في وثائق المتحف، لم يكن اختيار هذا الموقع عشوائياً، بل جاء بعد دراسة متأنية للموارد الطبيعية وطرق المواصلات، تماماً كما اختار المصريون القدماء موقع منف وطيبة بعناية فائقة؛ إذ ان الجبال المحيطة بليانجتشو كانت غنية بالأحجار الكريمة والأخشاب، بينما وفرت السهول الشرقية أراضي خصبة لزراعة الأرز، لتشكل مخزناً غذائياً للمملكة.
معجزة هندسية فوق المستنقعات
يكتشف الوفد الإعلامي المصري أن أبرز ما يميز ليانجتشو هو بناؤها الفريد فوق أراض مستنقعية رطبة، الذي يعتبر تحد هندسي لا يقل صعوبة عما واجهه المصريون في نقل أحجار الأهرامات الضخمة.
تتألف المدينة، التي اكتُشفت أسوارها عام 2007، من ثلاث طبقات متداخلة؛ وهي منطقة القصور الملكية في المركز، والمدينة الداخلية بمساحة 3 كيلومترات مربعة، والمدينة الخارجية المحاطة بأسوار يبلغ طولها 6 كيلومترات وعرضها بين 40 و60 متراً وارتفاعها 4 أمتار في المناطق المحفوظة جيداً من الفيضانات .
استخدم البناؤون القدماء تقنيات مبتكرة تكشف عن ذكاء هندسي استثنائي، حيث وضعوا طبقة من الأحجار بسمك 20-40 سنتيمتراً أسفل الأسوار لتقوية الأساسات ومنع تسرب المياه الجوفية، ثم بنوا الأسوار بطبقات من الطين الأصفر المستخرج من الجبال المحيطة.
مدينة القنوات المائية
تشبه ليانجتشو مدينة "البندقية القديمة" بفضل شبكة معقدة من القنوات المائية يبلغ طولها الإجمالي 31 كيلومتراً داخل المدينة وخارجها. وكما اعتمد المصريون القدماء على النيل شريان الحياة، اعتمد سكان ليانجتشو على القوارب المحفورة من جذوع الأشجار والخيزران للتنقل بين أرجاء المدينة.
ربطت ثمانية بوابات مائية، كل منها بعرض 30-60 متراً، بين الأنهار الداخلية والخارجية، بواقع بوابتين في كل جهة من جهات السور.
أما البوابة البرية الوحيدة، المكونة من ثلاث منصات ترابية على شكل مثلث، فكانت تفصل السور إلى أربعة ممرات بعرض إجمالي يبلغ 150 متراً، مما يعكس عظمة المدخل الرئيسي للمدينة.
اقرأ أيضًا| «القومي للحضارة» يحتفي بالتواصل الثقافي مع الصين عبر«اليانجتسي يلتقي بالنيل»
نظام مائي متقدم يضاهي عجائب الدنيا
من أبرز المعالم التي استكشفها الوفد المصري كان النظام المائي الضخم المحيط بالمدينة، والذي يعتبره الخبراء إنجازاً هندسياً نادراً في العالم القديم.
يضم هذا النظام، وفقاً للدراسات الأثرية، 11 سداً مصممة بدقة وموزعة استراتيجياً حول المدينة من الجهتين الغربية والشمالية.
تنقسم هذه السدود إلى ثلاثة أنواع؛ السدود العالية عند مداخل الوديان الجبلية بارتفاع 30-35 متراً وطول 50-200 متر وسُمك يقارب 100 متر، والسدود المنخفضة في السهول التي تربط التلال المتفرقة بسدود يتراوح طولها بين 35-360 متراً، والجسور الطويلة أمام الجبال التي يصل طول أحدها إلى 5 كيلومترات.
يشكّل هذا النظام المتكامل خزاناً مائياً بمساحة 8.5 كيلومتر مربع، ويُعتقد أنه كان يخدم أغراضاً متعددة تشمل الحماية من الفيضانات والنقل المائي وتوفير مياه الشرب والري.
هذا النظام المعقد، الذي يمتد من أعالي المجرى المائي إلى أسفله، يكشف عن قدرة متقدمة على تخطيط البيئة المائية وإدارتها في الحوض بأكمله، وهو ما يذكّر بنظم الري المتطورة التي ابتكرها المصريون القدماء لتنظيم فيضانات النيل والاستفادة منها.
قلب السلطة
في مركز المدينة، يرتفع جبل موجياوشان، وهو منصة ضخمة اكتُشفت نهاية عام 1987 عند توسيع الطريق الوطني 104.
استغل البناؤون جبلاً طبيعياً في الجزء الغربي وملأوا المستنقعات في الجزء الشرقي ليخلقوا منصة مستطيلة عملاقة بارتفاع يزيد عن 10 أمتار، وطول 630 متراً من الشرق إلى الغرب، وعرض 450 متراً من الشمال إلى الجنوب، بمساحة إجمالية 300 ألف متر مربع استهلكت 2.28 مليون متر مكعب من التراب.
وتكشف الطبقات الترابية المتواصلة، بحسب التقارير الأثرية، أن البناء تم في فترة قصيرة دون انقطاع، مما يعكس قدرة تنظيمية مذهلة تشبه ما تطلبه بناء الأهرامات المصرية.
فوق هذه المنصة الضخمة، بُنيت ثلاث منصات مستقلة؛ وهي جبل موجياوشان الكبير في الشرق بارتفاع 16.5 متراً، وجبل موجياوشان الصغير في الشمال الغربي، وجبل ووجويشان في الجنوب الغربي، مع ساحة رملية واسعة بمساحة 70 ألف متر مربع بينها.
من قمة جبل موجياوشان الكبير، تظهر جبال المنطقة المحيطة بوضوح، مما يوفر رؤية بانورامية شاملة للمدينة وما حولها، متجاوزاً ارتفاع الأسوار بكثير.
هذا التصميم العمودي المتدرج يعكس مفهوماً سياسياً عميقاً: "الوسط يُعلي المكانة، والارتفاع يرمز للسمو"، وهو مبدأ شبيه بما عرفته الحضارة المصرية في بناء المعابد والأهرامات لتأكيد السلطة الإلهية للفرعون.
اكتُشف على قمة موجياوشان الكبيرة، خلال الفترة 2013-2015، سبعة أساسات لمنازل تعود لعصر ليانجتشو، تتراوح مساحة كل منها بين 300-900 متر مربع، موزعة في صفين شمالي وجنوبي. وتكشف بقايا الأخشاب المحترقة والأعمدة المحفوظة جيداً عن تخطيط معماري واضح لقصور النخبة الحاكمة.
اقرأ أيضًا| وفد صيني رفيع يبحث فرص الاستثمار في مصر بقطاعات الطاقة والزراعة والسيارات الكهربائية
تشابه مدهش بين الحضارتين
تظهر المكتشفات الأثرية في مناطق الورش والسكن شرق المدينة، التي كشف عنها في النصف الثاني من عام 2015، عن نمط حياة يومية يشبه بشكل لافت ما عرفته الحضارة المصرية؛ إذ عاشت العائلة الملكية والنخبة في منطقة القصور، بينما سكن الحرفيون على 20 منصة مرتفعة حول القنوات المائية، حيث مارسوا صناعات متخصصة في الأحجار الكريمة والفخار والأخشاب المطلية والعظام.
وتظهر بقايا الأدوات نصف المصنوعة والقمامة المنزلية المتراكمة على ضفاف نهر تشونجياجانج، الذي يبلغ طوله ألف متر وعرضه 18-80 متراً، أن السكان كانوا يلقون مخلفاتهم مباشرة في النهر حتى ضاق وامتلأ في نهاية عصر ليانغتشو.
اعتمد السكان، وفقاً لتحليل البقايا العضوية، على الأرز كغذاء رئيسي، وربّوا الخنازير التي شكلت المصدر الأساسي للحوم، إضافة إلى صيد الغزلان وجاموس الماء.
زرعوا أيضاً القرع والبطيخ والخوخ والبرقوق والمشمش وكستناء الماء، وهو نمط غذائي يشبه كثيراً ما عرفه المصريون القدماء من زراعة القمح والشعير وتربية الماشية وصيد الأسماك من النيل وزراعة الخضروات والفواكه؛ ما يعكس كيف طورت الحضارات النهرية العظيمة حلولاً متماثلة لتحديات مشتركة.
المعتقدات الروحية والطبقية الاجتماعية
على بعد 5 كيلومترات شمال شرق المدينة، يقف جبل ياوشان بارتفاع 35 متراً كشاهد على العمق الروحي للحضارة؛ إذ اكتُشف على قمته عام 1987 منصة من عصر ليانجتشو يُعتقد أنه استُخدم للمراقبة الفلكية وحساب السنوات، قبل أن يتحول إلى مقبرة ملكية ضمت 13 مدفناً لنبلاء رفيعي المستوى.
هذا الدمج بين الوظيفة الدينية والجنائزية يذكّر بأهرامات مصر التي جمعت بين المعبد والمقبرة، مما يعكس تشابهاً في المفاهيم الدينية والسلطوية بين الحضارتين.
رسالة عبر الزمن
بينما يواصل الوفد الإعلامي المصري برنامجه في الصين، تقدم مدينة ليانغتشو درساً حياً في التاريخ المشترك للإنسانية؛ فرغم اختفاء القصور الشامخة، تظل البقايا المدفونة تحت الأرض شاهدة على مملكة عظيمة ازدهرت قبل خمسة آلاف عام.
وكما تفخر مصر بحضارتها الفرعونية، تعتز الصين بإرث ليانغتشو، في تأكيد على أن الحضارتين المصرية والصينية لم تكونا بعيدتين عن بعضهما في الماضي، بل تشاركتا القيم الإنسانية ذاتها والإنجازات الحضارية المتوازية على ضفاف النيل واليانغتسي.
واليوم، تواصل مصر والصين تقاربهما في الحاضر من خلال مبادرات ثقافية وإعلامية مشتركة كهذه الزيارة، مؤكدتين أن الجسور الحضارية الممتدة لخمسة آلاف عام بين البلدين ليست مجرد تاريخ، بل أساس متين لشراكة استراتيجية معاصرة تجمع بين حضارتين عريقتين تشكلان معاً جزءاً أساسياً من فجر التاريخ البشري.




أكسيوس: الفجوات الرئيسية في المفاوضات بين واشنطن وطهران تم حلها
إيران: لم نوافق على أي نص لمذكرة تفاهم مع أمريكا
ترامب يعلن التوصل إلى «تسوية رائعة» مع إيران






