«شهد العالم لحظة تاريخية، تُجسد انتصار إرادة السلام على منطق الحرب».. بهذه الكلمات أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي، نجاح مفاوضات شرم الشيخ، والموافقة على خطة السلام الأمريكية، وبهذا يتم طي صفحة مؤلمة من تاريخ الإقليم استمرت عامين ويومين هي عمر المأساة الأكبر والأشد شراسة التي عانى منها شعب غزة منذ مطلع القرن الحادي والعشرين.
شاهد العالم إبادة جماعية مكتملة الأركان لم ترحم ضعف الصغار ولا وهن الكبار، حتى النساء الحوامل طالتهم شظايا القنابل الإسرائيلية، فراحوا في عداد الشهداء بجنينهم الذي لم ير نور الدنيا، لتصبح الحصيلة النهائية 67 ألف شهيدًا وما يربوا على مئات الآلاف بين نازح ولاجئ ومشرد ومصاب ومبتور.
طيلة هذه المدة لم تكن مصر بعيدة عن مجريات الأحداث بل كانت تراقب عن كثب ما يحدث للأشقاء هناك، مهمومة بهمه، وذلك استكمالا لدورها الذي بدأ مع نشأة القضية قبل نحو 7 عقود أو يزيد، ضحت فيها بالغالي والنفيس وقاسمت النضال مع الفلسطينيين ودفعت من خيرة أبنائها في ميادين الحرب، وكانت حاضرة على طاولة المفاوضات عبر السنين.

◄ جهود دبلوماسية مكثفة
وفي الحرب الأخيرة، عب أحداث 7 أكتوبر، كانت الجهود المصرية لا تخطئها عين، شهد لها العالم وفي القلب منها أهل القطاع أنفسهم، والبادرة بإدخال المساعدات الإغاثية، وإقامة المستشفيات الميدانية في سيناء واستقبال جرحى القطاع وعلاجهم بالمستشفيات المصرية، وبالتوازي مع ذلك قام دبلوماسيو مصر وسياسييها تحت قيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي بمخاطبة العالم لشرح عدالة القضية وموقف أهلها وحقهم التاريخي في دولتهم.
تحدثت الألسنة المصرية في المحافل الدولية والمؤتمرات الإعلامية واللقاءات الثنائية مع قادة وزعماء وحكومات العالم الذين توافدوا إلى مصر إيمانًا منهم بأنها المحرك والمرجع لكل ما يجري في المنطقة ومنهم يخرج الحل متى احتضنت، والأهم في ذلك كله، أن القاهرة حرصت على ربط التهدئة بإحياء المسار السياسي وتحقيق حلم الدولة الفلسطينية المستقلة، مستثمرة ثقلها الإقليمي وعلاقاتها الدولية في هذا الاتجاه، وقد توجت هذه المساعي بإعلان العديد من القوى الغربية اعترافها بالدولة الفلسطينية في خطوة لها ما بعدها، في سبيل حل الدولتين الذي سيكون الخطوة الأخيرة في هذا الصراع الممتد.
◄ مواقف مصر الصلبة
كان لمصر خلال هذه الأزمة مواقف صلبة بداية من الخط الأحمر الذي رسمه الرئيس السيسي، في نوفمبر 2023 أي بعد بضعة أسابيع من بدء الحرب، حينما قال إن التهجير القسري للفلسطينيين خط أحمر لا تقبله مصر ولن تسمح به، وأن الفلسطينيين إذا خرجوا من أراضيهم فلن يعودوا إليها مرة أخرى مؤكدا أن المنطقة العربية تواجه أزمة جسيمة تضاف إلى التهديدات التي تعاني منها على مدار عقود، معلنا أن القضية الفلسطينية تواجه منحنى شديد الخطورة والحساسية في ظل تصعيد غير محسوب وغير إنساني
وندد السيسي باستخدام "منهج العقاب الجماعي وارتكاب المجازر كوسيلة لفرض واقع على الأرض بما يؤدي إلى تصفية القضية الفلسطينية وتهجير الشعب الفلسطيني والاستيلاء على الأرض".

◄ الرئيس السيسي: التهجير ظلم لا نشارك فيه
ومطلع العام الجاري، قال الرئيس عبد الفتاح السيسي، إن "ترحيل وتهجير الشعب الفلسطيني ظلم لا يمكن أن نشارك فيه"، "لا يمكن أبدا التنازل عن ثوابت الموقف المصري التاريخي للقضية الفلسطينية"، وما يتردد حول تهجير الفلسطينين لا يمكن أبدا التساهل أو السماح به لتأثيره على الأمن القومي المصري.
◄ نتائج تتوج بحقن الدماء
في ثنايا هذه الأحداث كانت التطورات متسارعة ومكثفة لا تحويها سوى كتب التاريخ، فلن تتسع سطور تقرير صحفي لها، ولكن نتلقف من بين كل ما حدث هو البشرى التي تلقاها الفلسطينيون وكل الشعوب المحبة للسلام حول العالم بإعلان وقف الحرب طبقًا لخطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
اقرأ أيضا| اتفاق سلام تاريخي من شرم الشيخ.. جهود السيسي تنهي معاناة الفلسطينيين في غزة

ومن أرض السلام في مدينة شرم الشيخ، تم الإعلان رسميًا وقف فوهات البنادق والمدافع عن استهداف المدنيين العزل في القطاع المحاصر، لتبدأ حياة جديدة زينها أهالي غزة المكلومين بالزغاريد والفرحة، وعبارات الشكر للدولة المصرية التي ما نستهم يومًا وكانت يدها ممدودة لهم بكل أشكال الدعم، حيث وصلت نسبة ما قدمته مصر الرسمية والشعبية لأهل غزة نحو 70 % من حجم المساعدات التي وصلت القطاع من كل دول العالم.
◄ فرحة تبهج القلب
وخلال الساعات التي أعقبت تغريدة الرئيس دونالد ترامب معلنًا فيها وقف الحرب، خرجت من غزة فيديوهات فرحة بريئة لأشخاص كانوا يعدون أنفسهم في عداد الموتى وينتظرون ساعة تنقضي فيها آجالهم تحت نيران الطائرات والقنابل، ولكن كان القرار الذي قدمته مصر بجهودها ومن على أرضها كهدية لأهل فلسطين، لتنتهي مرحلة وتنطلق أخرى.
◄ انسحاب وعودة
ورصدت عدسات وسائل الإعلام، انسحاب قوات جيش الاحتلال، بشكل كامل من مخيم الشاطئ على أن يواصل خروجه من كل شبر استولى عليه في الحرب الأخيرة، وفي المقابل عادت الحياة من جديد إلى شواطئ المدينة بعد فتح الطرق أمام حركة المواطنين وبدء عودة النازحين إلى مناطقهم، وظهرت في اللقطات عائلات فلسطينية تجوب شاطئ غزة، بعد غياب طويل، وأطفال يلهون على الرمال في لحظات امتزجت فيها الدموع بالابتسامة، في مشهد يجسد صمود الشعب الفلسطيني وإصراره على التمسك بالحياة رغم آثار الدمار الذي خلفه العدوان الأخير.

«التلمذة الصناعية».. تصحيح مسار أم مغامرة محفوفة بالمخاطر؟
الأزهر والبرلمان والحكومة.. من يرسم ملامح قانون الأسرة الجديد؟
اقتصاد الفحم.. كيف تحولت "المكامير" إلى أزمة بيئية في الغربية؟







