ممدوح رزق
لا تتعلق الأفكار التى يمكن تأملها والاشتباك مع إحالاتها عند قراءة كتاب «مهنتى هى الرواية» لهاروكى موراكامى، ترجمة أحمد حسن المعينى، بالرواية كنوع وحسب، وإنما بـ «الأدب» و«الكتابة» فى المقام الأول بوصفهما مفهومين متداخلين ولكنهما غير متطابقين، ما يجعلهما كما أرى أقرب إلى الصراع من الانسجام والتآلف؛ فـ «الأدب» يستدعى بالضرورة سلطة «المثال» حتى مع غياب الملامح الواضحة أو السمات المحددة لحضوره، وحتى مع الإقرار بكون هذا «المثال» وهمًا متأصلًا، تعتمد الكتابة فى طبيعتها الأكثر جذرية على فضحه، وهو ما تؤكده كلمات موراكامى نفسه فى مقدمة الكتاب: «ومن نافل القول إنك إذا تحدثت إلى مئة روائى، فسوف تحصل على مئة طريقة مختلفة لكتابة الرواية» لكن فى المقابل تتجلى هذه السلطة، التى أشرت إليها، من خلال حديث موراكامى الدائم عبر صفحات الكتاب الذى أصدرته دار الآداب عن ما يُسمّى «الجودة الروائية» بدءًا من تناوله لملابسات كتابة روايته الأولى، مرورًا بكل ما شهدته مسيرة عمله الروائى وحتى بداية تدوين هذه المقالات التى تضمنها كتابه.
قد يبدو عفويًا القول بأن «الجودة الأدبية»، وإن لم يكن لها شروط معيّنة، إلا أنها تظل شيئًا يمكن الإشارة إليه وإثباته، ومن ثمّ يمكن الوعى بغيابه والتدليل على ذلك فى حالات أخرى هذا يستدعى حتمًا التساؤل عن المنطق الذى يجمع بين «اللامعيارية» و«عدم تحقق المعيار» فى الوقت نفسه؛ كيف تتحدث عن عدم توفر ما ليس له وجود من الأساس إن لم تكن تحت وطأة الاحتياج القهرى إلى حقيقة منقذة قد اضطررت إلى التمسّك بنموذج شخصى، متعدد ومتغيّر، لكى تجعله يحل مكان ذلك الشيء غير المتوفر باعتبار هذا النموذج هو ذاته نفس الشيء «فى عموميته»، مُناقضًا بالتالى «عدم وجود شروط معيّنة»؟.
أليس الأكثر منطقية القول إنه طالما لكل مئة روائى مئة طريقة مختلفة لكتابة الرواية بتعبير موراكامى فإن فكرة «الجودة» نفسها ليست أكثر من هراء غريزى، لا يتسّق أمام هذا التنوّع غير المقيّد، وإن الأكثر عقلانية وملاءمة هو استبدال هذا المفهوم الشامل «المتسلط» بالرؤية الذاتية التى لا تعتمد على «التقييم» أو «القياس المرجعي» وإنما على بصمة النص نفسه سواء لدى كاتبه أو قارئه؟ أليس الأكثر منطقية أن تكون الرواية «كتابة» غير محكومة بالصواب والخطأ أو بـ «معايير الجودة» بعدما أثبت واقع الاختلاف بين طرق الكتابة سراب ما تدعيه من يقين؟
«الحقيقة أننى أشعر بشىء من الحرج حين أتحدث عن نفسى، وعن تجربتى فى كتابة الرواية، هكذا، علانية؛ إذ تتملكنى رغبة قوية فى العزوف عن شرح رواياتى للآخرين، ذلك، أن الحديث عن كتبى يبدو لى نوعًا من الاعتذار أو التفاخر، أو ما يشبه التبرير يتوّلد لدى هذا الانطباع دائمًا، مهما حاولت ألا أبدو كذلك».
إن «الاعتذار» و«التفاخر» و«التبرير» دلائل خضوع الفكر لـ «المثال» الذى أشرت إليه؛ إذ أن تلك المشاعر، فى تجاورها أو اندماجها هنا، تبدو ناجمة عن الوعى بالتقصير، أو الوفاء بغرض، أو التبروء من نقص الشعور بالندم ليس إلا قشرة، أحيانًا أو غالبًا يظل الكاتب عالقًا فى سطوتها طوال حياته، لكن ثمة من يدرك أن ذلك ليس أكثر من استجابة تلقائية لـ «الخير والشر»، «الجميل والقبيح»، الجيد والرديء»، والكتابة ليست استثناءً هنا، أما فى العمق، وراء تلك القشرة الحتمية، يكمن ببساطة ذلك الفهم الخلّاق بأن لكل وقت روايته، دون تقدير قيمة الرواية استنادًا إلى رواية أخرى، دون مقارنتها بتفضيلات «الفن الروائي» سواء كانت انتقاءات شخصية، أو انحيازات عامة لكل لحظة حياتها، ما أراد الروائى أن يوثقه عن أشباحه خلالها؛ فإذ تجمّع الروائيون الآخرون والقراء كافة من كل مكان وزمان لحصار تلك اللحظة، بنوع من الفانتازيا العبثية، فإن «الجودة» التى سوف يُشهرها كل منهم عليها أن تخوض معركة الاستحقاق أولًا مع «جودة» الآخر قبل أن تحاول فرض نفسها على روايتك، مدحًا أو ذمًا.
«المهمة شاقة، ويجوز لنا القول إن قليلًا من الناس أهل لها، فمن يود إنجازها يحتاج إلى شيء خاص. الموهبة مهمة طبعًا، وركيزة أساسية، ولا شك فى أن للحظ والأقدار دورًا كذلك، غير أن المرء يحتاج إلى شيء فوق ذلك، هو أقرب إلى أن يكون مؤهلًا من المؤهلات، يوجد عند أشخاص، ويغيب عند آخرين. يملكه البعض بالفطرة، فيما يكافح آخرون كفاحًا مريرًا كى يحصلوا عليه».
من يفكر، ولو على نحو عابر كومضة شاحبة، فى أن «الموهبة» هى نفسها ذلك «الشيء الآخر» الذى تحدث عنه موراكامى لدى «الروائي»؟ نعرف كتّابًا أرادوا مثلًا كتابة الرواية ثم توقفوا بعد واحدة أو اثنتين، ونعرف كتابًا لم يبدأوا فى كتابة رواياتهم إلا فى منتصف العمر أو فى نهايته، ونعرف كتّابًا شرع كل منهم فى كتابة روايته الأولى ولم يكملها. أى «موهبة» هنا؟ أى معيار كونى تحتكم إليه؟ كيف يُقاس بصورة حاسمة ربع الموهبة ونصف الموهبة وثلاثة أرباع الموهبة والموهبة الكاملة؟! كل البشر يكتبون، بل إن كل كائن يكتب، هذه قناعتى، لكن ليس كل من يكتب قرر أن يكون «كاتبًا» بصورة ملموسة، لم يرغب كل من يفكر فى الحياة والموت، ويراقب الناس، ويتأمل الدنيا أن يسجّل هواجسه ومشاعره وأحلامه وأسراره وخيالاته بطريقة ما، لن تتوقف بالضرورة عند كونها تسجيلًا،، بل ستكون هذه الطريقة نفسها اكتشافًا للخاطر، تنقيبًا فى كل ما يُحَس، ومن ثمّ نوعًا من العيش، أو هو العيش كله. لم يرغب كل من جعل كتابته «مقروءة» أن يستمر فى ذلك، وأن يفعل كل ما رأى أنه جدير بهذه الرغبة.
«أما الروائى الطموح فلا يحتاج إلا إلى معرفة أساسية بالكتابة (وهذا متوفر عند أغلب الناس)، وقلم، وأوراق، وقدرة على اختلاق قصة يمكن تطويرها إلى ما يشبه الرواية».
هل ثمة أسلوب «مقدس» لاختلاق القصص؟ هل هناك آلية ملزمة لتطوير القصة إلى «ما يشبه رواية»؟ ما الذى يمنع موراكامى حقيقة من إزاحة ما يطلق عليه «الموهبة» حتى وهو يتحدث عن إمكانية لا يمكن الحكم على عدم توفرها فى شخص ما سواء قرر الكتابة أم لا؟ ما الذى يمنع موراكامى من استبعاد «الموهبة» باعتبار أن الأمر يرتبط جوهريًا بقدرة لا يمكن لأحد أن يضمن عدم وجودها فى شخص آخر، وليس لأحد الحق فى نفيها أو تجريدها منه؟ إنها «سلطة الجودة» التى يبدو أن موراكامى لا يستطيع كليًا التحرر منها، وهو ما يظهر جليًا فى «تقييمه» لنفسه ولكتّاب آخرين مثل همنجواى، حتى وإن بدا أن كلماته تسعى بل وتؤمن بذلك التحرر بالفعل.
«لو تفكّرنا فى الأمر الآن، لوجدنا أن عجزى عن كتابة رواية جيدة كان أمرًا طبيعيًا؛ فكيف لشخص مثلى لم يكتب أى شيء فى حياته أن يسدد ضربة رائعة من مضربه؟ ربما كان من الخطأ أن أكتب شيئًا «روائيًا» أصلًا قلت لنفسي: «لا تحاول أن تكتب شيئًا معقدًا دعك من تلك الأفكار التى تحاول أن تحدد ما هى «الرواية» و«الأدب» ودوّن مشاعرك وأفكارك كما تطرأ لك، بحرية، بطريقة تحبها».
يتضح هنا أن «الحرية» عند موراكامى فى كتابة روايته الأولى كانت أشبه بالطواف خلسة وبخطوات ارتجالية حول «المثال» خشية ملامسته، أو التعرّض للأذى من هيبته المستقرة، وهو أمر يبدو مستوعبًا حقًا فى تلك المرحلة المبكرة أو مع بدايات الكتابة حتى لو كان هذا «المثال» غير متجسد بكيفية جازمة.
لكن موراكامى لا يتخلص مطلقًا من سطوة «الرواية الجيدة» التى تعنى بداهة نقيضها «الرواية الرديئة»، رغم محاولته لأن يفعل شيئًا خارج (الأفكار التى تحاول أن تحدد ما هى «الرواية» و«الأدب») إن الكتابة ليست ضربة مضرب، حيث ثمة قواعد لتسديد هذه الضربة لا يمكن إهمالها ويُنتظر رغم ذلك أن تنجز هدفهاليس فى ضربة المضرب «خلق» أو «لعب ذاتي» أو «تجريب لمسارات متخيّلة»، وإنما هى فعل يتم فى إطار «قانون ثابت» وبناءً عليه نجاح أو إخفاق.
«حين شرعت فى كتابة روايتى الأولى «اسمع الريح تغني»، كنت أعرف أنه لا خيار لى سوى أن أكتب عن عدم إيجاد شيء أكتب عنه. كنت أعرف أننى إذا أردت أن أمضى قُدمًا كروائى، سأضطر إلى تحويل «عدم إيجاد شيء للكتابة عنه» إلى سلاح. إن لم أفعل ذلك، لن أقوى على مجابهة جيل من الكتّاب الذين سبقونى، وهذا فى رأيى مثال على ما تنطوى عليه الكتابة بما هو متوفر لديك».
أتذكر الآن ما كتبه ميلان كونديرا فى «خيانة الوصايا»: «كروائى أشعر دائمًأ بأنى ضمن التاريخ، وهذا يعنى أننى أقف على الطريق، محاورًا أولئك الذين سبقونى، وربما حتى مع أولئك الذين سيأتون من بعدى (لكن بدرجة أقل) بالتأكيد أنا أتكلم عن تاريخ الرواية».
إن كتابة الرواية بالنسبة لى وهو ما ينطبق على الكتابة عمومًا هى تفاوض مع النوع، مخاتلة التصنيف، تقويض الجنس الأدبى من داخله، صفقة ماكرة بين «الحرية» و«التواصل مع الآخر»، بين «التعبير الجامح عن الذات» و»التاريخ»، مقامرة لدفع نفسى ككاتب لمراوغة هذا «التاريخ»، من قبل أن يؤدى ذلك إلى خلخلة مفاهيم الرواية / الكتابة / التلقى فى وعى ولا شعور القارئ، ومن ثمّ الوجود ذاته.
أتصوّر لو أن صبيًا قرأ بعض الروايات ثم كتب اسمه على ورقة شجرة وأعطاها لأبيه وقال له: هذه روايتي؛ فإن أمام هذا الأب ردود فعل محتملة: الدهشة، الاستحسان، الاستهزاء، التجاهل، التعاطف، التوبيخ، تعريف الابن بما تعنيه «الرواية»، لكن ما هى فرصة أن يتساءل الأب: لماذا فعل الولد ذلك؟ .. أى شيء فى حياته حرّضه على القيام بهذا الأمر الغريب؟ .. لماذا لم يطلق على ورقة الشجرة التى كتب عليها اسمه صفة أخرى: قصيدة أو قصة قصيرة مثلًا؟ .. ما علاقة هذا الفعل بما قرأه الولد من روايات؟ .. ما الذى يمثله هذا الفعل أمام ما يعرفه الأب نفسه عن حياته، عن أبوته، وعن الفن الروائي؟ .. كل من يكتب «رواية» يقوم بمثل ما فعله هذا الصبى .. كل من يكتب يفعل هذا بطريقته الخاصة، والتساؤلات التى قد تُثار فى ذهن الأب، مع ضعف الفرصة، نتيجة لذلك ما هى إلا مداعبة غير مقصودة للألغام المخبوءة فى جوف التاريخ.
العودة لـ«الجبل السحرى»
الطبيعة السرية لأشياء هذا العالم
فى مديح إعادة القراءة







