د.نظير عياد يكتب: تجديد آليات الإفتاء

د. نظير عياد
د. نظير عياد


■ بقلم: د.نظير عياد مُفتي الجمهورية

شهدت دار الإفتاء المصرية نقلة نوعية على عدة مستويات، تضمنت تجديد آليات الإفتاء، وتوسيع الشراكات المؤسسية، والانفتاح على مستجدات العصر بما يحقق التوازن بين الثوابت الدينية ومقتضيات الواقع المتغير. وهذه النقلة عكست رؤية واعية تجمع بين المنهج الأزهرى الأصيل وفهمٍ دقيق لتعقيدات الواقع الاجتماعى والتكنولوجى، ما جعل الفتوى أكثر حضورًا فى الشأن العام، وأكثر قدرة على تفكيك إشكاليات الناس فى قضاياهم المختلفة.

وقد اتخذنا فى دار الإفتاء خطوات تهدف إلى تحقيق التوازن بين الأصالة والمعاصرة، والمشاركة فى بناء الوعي الديني والفكرى، ومواجهة التحديات التى تهدِّد تماسك المجتمعات.

وقد تجلت ملامح التحول النوعى الذى شهدته دار الإفتاء المصرية، سواء على صعيد تطوير الأداء المؤسسي، أو فى مجال ضبط الخطاب الدينى والتوسع الجغرافى المدروس، إذ أولت دار الإفتاء أهمية بالغة لتنظيم العمل الإفتائى، وتفعيل المنظومة المؤسسية القائمة على العلم والانضباط، مع تطوير آليات إصدار الفتاوى الإلكترونية والهاتفية والمكتوبة، وهو ما مكَّن الدار من التعامل بكفاءة مع مئات الآلاف من الاستفسارات الفقهية الواردة من داخل مصر وخارجها.

وقد بلغ إجمالى ما أصدرته دار الإفتاء خلال هذا العام ما يزيد على مليون فتوى، توزعت على مختلف أبواب الفقه من الأحوال الشخصية إلى المعاملات المالية، والقضايا الأسرية، والمستجدات الاجتماعية، بما يعكس مدى تنوع القضايا المطروحة وارتباطها الوثيق بحياة الناس. فقد سُجِّل نحو 450 ألف فتوى شفوية ومباشرة، إضافة إلى نحو 400 ألف فتوى عبر الإنترنت، فى مؤشر واضح على تنامى ثقة الجمهور بالدار.. وفى مواجهة الفوضى الإفتائية والتطرف الدينى، اتخذنا موقفًا حازمًا تجاه الفتاوى والآراء غير المنضبطة، حيث قمنا بإصدار سلسلة من البيانات والتصريحات التى رفضت توظيف الدين فى تأجيج العنف أو إثارة الفتن، ومن أبرزها الرد على دعوات الجهاد الفردى ضد الاحتلال الإسرائيلى بمعزل عن الضوابط الشرعية، والتصدى لدعوات المساواة المطلقة فى الميراث، فضلًا عن التنبيه إلى حرمة قراءة القرآن مصحوبًا بالموسيقى أو التغنى به على نحوٍ يخالف الهيبة الشرعية للنصوص القرآنية. كما حذَّرت الدار من خطر ترويج الشائعات باسم الدين، فالشرع ينهى عن كل ما يؤدى إلى اضطراب المجتمعات، وبيَّنّا حرمة تعاطى مخدر الحشيش شرعًا بعد تداول آراء عبر مواقع التواصل تُجيز الأمر.

نحن بحاجة إلى إعادة النظر فى المنظومة الأخلاقية، والعمل على تجديد ركائزها في مجتمعاتنا وأمتنا، بما يواكب متطلبات العصر ويحافظ على ثوابت الهوية، ويُعَدُّ استلهام الأخلاق المحمدية سبيلًا فعَّالًا فى هذا المسار، لما تمثله من قيم إنسانية راقية قادرة على إحداث التوازن بين المبادئ الأصيلة والواقع المعاصر.