مازال ملف السابع من أكتوبر مفتوحًا عصيًا على الإغلاق فالحدث غير مسبوق ستبقى تأثيراته وتداعياته طويلًا على كل المستويات وساهم فى تغيير جذرى على أكثر من صعيد. تناولنا فى الحلقة السابقة طرفى النزاع المباشر، (الإسرائيلى) الذى ساهم طوفان الأقصى فى حراك غير مسبوق على صعيد التركيبة السياسية الحاكمة وكرس الصراع بين المستوى السياسى والعسكرى.
اقرأ أيضًا| ارتفاع حصيلة شهداء الحرب الإسرائيلية على غزة إلى 67160
وقد يؤدى إلى الإطاحة برؤوس كبيرة فيها على ضوء نتائج التحقيقات التى بدأت ولم تنته، (والفلسطينى) على صعيد المأساة الإنسانية غير المسبوقة التى تعرض لها الشعب الذى عاش معاناة ارتفاع فاتورة الشهداء والمصابين والنزوح الداخلى لأكثر من منطقة داخل القطاع، ناهيك عن الخسائر المادية بعد أن قامت قوات الاحتلال بعمليات تخريب مخطط لها ومعد مسبقًا لخلق حالة استحالة للعيش أمام الفلسطينيين مع توقف عجلة الاقتصاد الفلسطينى المحدود، مما رفع فاتورة إعادة الإعمار إلى مليارات الدولارات.
وفى هذه الحلقة الجديدة نتوقف بالتفاصيل عن تأثيرات السابع من أكتوبر الاستراتيجية على الصعيد الإقليمى من خلال قدرات إسرائيل ونجاحها فى النيل من قدرات إيران والجماعات المرتبطة بها بالدخول فى مواجهة مسلحة غير مسبوقة معها، ناهيك عن الردود الإيرانية بالهجمات على أهداف نوعية داخل إسرائيل التى تنجح بالرقابة العسكرية الصارمة فى التغطية عليها والتخفيف منها وتحولت القضية فى لبنان على سبيل المثال إلى نزع سلاح حزب الله.
اقرأ أيضًا| إعلام فلسطيني: مدفعية الاحتلال تواصل قصف المناطق الشرقية والشمالية من غزة
والأهم فى الأمر هو التزامن بين البدء فى بحث آليات وقف إطلاق النار مع دخول عملية طوفان الأقصى ومع دخول العدوان الإسرائيلى عامه الثالث وطرح الرئيس الأمريكى رونالد ترامب خطة متكاملة لتحقيق ما أسماه السلام النهائى ولأن (الشياطين تعشش فى التفاصيل) فقد بدأ ماراثون البحث فى آليات تنفيذها عبر مفاوضات تشهدها مدينة شرم الشيخ لتنفيذ المرحلة الأولى من الخطة مع الإقرار بالصعوبات التى يمكن أن تواجه التنفيذ ومنها ضمان انسحاب القوات الإسرائيلية وكذلك النص الخاص بنزع سلاح حركة حماس. .
وإلى مزيد من التفاصيل.
دعونا نتفق، وبكل إنصاف وتجرد، ومهما كان رأينا وموقفنا، بأن الرئيس الأمريكى رونالد ترامب هو الأكثر اهتمامًا بتقديم رؤى ومقترحات تتوافق مع منهجه فى العمل كرجل عقارات وأعمال، لوضع نهاية للصراع العربى الإسرائيلى، بين رؤساء أمريكا على الأقل منذ الرئيس الأمريكى كارتر ومن بعده بيل كلينتون، مع الإشارة إلى أن الأمر لا يتعلق بتوابع زلزال طوفان الأقصى وتداعياته. وقد حدث هذا فى ثلاث مناسبات خلال السنوات الماضية، فى نهاية ولايته الأولى والأشهر العشرة من ولايته الثانية، وهى كالتالى:
أولًا: صفقة القرن، التى كانت ذات شقين؛ الأول اقتصادى طرحه مستشار ترامب الأقرب وصهره كوشنر فى نهاية يوليو ٢٠١٩، حيث استثمر مشاركته فى مؤتمر استضافته المنامة، عاصمة البحرين، تحت عنوان (السلام من أجل الازدهار) فى نهاية يونيو ٢٠١٩، وطرح خطة إنشاء صندوق استثمار عالمى لدعم اقتصاديات الفلسطينيين والدول المجاورة من خلال توفير ٥٠ مليار دولار للإنفاق فى مشروعات البنية التحتية على مدى عشر سنوات، مع توفير مليون فرصة عمل.
أما الشق السياسى، فكشف عنه الرئيس الأمريكى رونالد ترامب فى مؤتمر صحفى فى يناير ٢٠٢٠ بحضور نتنياهو. ولن أتوقف عند تفاصيلها، ولكنها نجحت عبر الاتفاقات الإبراهيمية فى تطبيع علاقات إسرائيل مع الإمارات والبحرين فى أغسطس وسبتمبر من العام نفسه، وأعقبها المغرب فى ديسمبر، ثم السودان.
ثانيًا: فكرة تحويل غزة إلى (ريفيرا الشرق). فمع الأيام الأولى لدخوله البيت الأبيض فى دورته الثانية، بدا ترامب فى عجلة من أمره بفعل ضغط استمرار العمليات العسكرية بين إسرائيل والمقاومة، وتنامى الانتقادات الدولية لاستمرار العدوان على غزة، فظهرت بوادر رؤيته لحل الصراع.
ففى ١١ فبراير، وفى لقائه الملك عبدالله ملك الأردن كأول زعيم عربى، تحدث عن تهجير الفلسطينيين إلى دول أخرى، منها الأردن ومصر، مما أثار رفضًا شديدًا، دفعه فى نهاية فبراير إلى الكشف عن أن خطته لغزة جيدة، ولكن لن يفرضها على أحد، وقال: «لن يطرد أحدٌ أحدًا من غزة». وحاول مستشاروه التخفيف من وقع تصريحاته، ومنهم ويتكوف مبعوثه للشرق الأوسط الذى أعلن أنها لا تهدف إلى تهجير سكانها.
وجاءت الكوارث مع كل زيارة لنتنياهو إلى أمريكا، ففى لقائه الأول مع الرئيس ترامب فى فبراير الماضى، فاجأ العالم، ومن بينهم نتنياهو نفسه، بالحديث عن ملكية أمريكية طويلة لقطاع غزة وإعادة إعماره مع تهجير أهله، إذ وصفه بأنه «الموقع الأخطر فى العالم»، وأعلن التزامه بشراء وامتلاك غزة مع السعى لبنائها منفردًا أو عبر منح دول أخرى حق بناء أجزاء منها.
وفى اللقاء الثانى، فى أبريل الماضى، أعاد طرح فكرة الملكية وتوفير قوات حفظ سلام أمريكية مع دعوة إلى تهجير سكانها، مشيرًا إلى أن هناك دولًا مستعدة لاستقبالهم، وهو ما فعله أثناء جولته الخليجية فى مايو الماضى، حيث تحدث فى نهايتها، فى أبو ظبى، عن أنه يريد من أمريكا أن تمتلك غزة وتحولها إلى «منطقة حرية».
ثالثًا: بدأت الأمور كما لو كانت هادئة على الأقل على السطح، ولكن فى حقيقة الأمر، وبالتوازى، كانت هناك اجتماعات ودراسات وأبحاث وزيارات فى البيت الأبيض، بعد أن انضم إلى المجموعة التى تعمل على ملف مصير قطاع غزة منذ يونيو الماضى.
وأبرز المنضمين اثنان: الأول تونى بلير، رئيس وزراء بريطانيا الأسبق ومبعوث الرباعية الدولية للشرق الأوسط، والثانى كوشنر، صهر الرئيس ترامب وصاحب الأدوار الأبرز فى الدورة الأولى، والذى اعتقد البعض أنه غاب عن المشهد فى الثانية، ومعهما وزير الخارجية ماركو روبير وستيف ويتكوف، للتوصل إلى ما أسماه ترامب خطة السلام الأبدية.
جاء ذلك وسط قناعة لم تكن وليدة تلك الفترة، بل إن التعاون الاقتصادى قد يكون حلًا للصراع العربى الإسرائيلى، وهى الرؤية التى يروج لها ترامب حتى قبل دخوله البيت الأبيض.
وفى أواخر شهر أغسطس الماضى، زار بلير البيت الأبيض، حيث تم التوافق على اللمسات الأخيرة للخطة استعدادًا للإعلان عنها أثناء أعمال الدورة الأخيرة للجمعية العامة للأمم المتحدة، التى كان من المعروف أنها ستشهد زخمًا دوليًا باتجاه دعم حل الدولتين، من خلال قمة رعتها السعودية وفرنسا، وأثمرت عن وصول عدد الدول التى اعترفت بدولة فلسطين إلى حوالى ١٥٧ دولة.
وكان ذلك أحد العوامل التى عجّلت بالإعلان عنها، ونجح ترامب فى التعامل مع توجه عام عالمى يسعى إلى وقف الحرب بأى ثمن دون الدخول فى التفاصيل. ولهذا كان من المهم السعى ليس إلى اتفاق مرحلى أو تبادل محدود للرهائن والعمل على هدنة بتوقيت زمنى محدود، بل إلى ما أسماه فكرة السلام الأبدى.
فالمطروح تجاوز فكرة وقف الحرب، إلى إطلاق مسار واسع النطاق للسلام، بإدخال دول فى الشرق الأوسط غير عربية مثل تركيا، باكستان، وإندونيسيا، والدولتان الأخيرتان قد تكونان مقرًّا لقيادات حماس إذا خرجوا من قطر، فى ظل صعوبة وجودهم فى تركيا. ومن العالم العربى شاركت قطر والأردن والسعودية والإمارات ومصر.
وقد أعد ترامب للخطة من خلال عدد من التحركات، حيث التقى بعدد من قادة الدول العربية والإسلامية فى ٢٣ سبتمبر الماضى، وبعدها التقى بنتنياهو فى ٢٩ من الشهر نفسه، حيث أعلن خطته التى تقع فى ٣٨ صفحة تضم تفصيلات كاملة. وقد تردد أن نتنياهو نجح فى إدخال تعديلات على أصل الخطة بما سمح له بأن يزعم أنها تتوافق مع المبادئ الخمسة التى حددتها إسرائيل لإنهاء الحرب، وهى:
استعادة جميع الرهائن أحياءً وأمواتًا، نزع سلاح المقاومة، أن تكون غزة منزوعة السلاح، الاحتفاظ بسيطرة أمنية لإسرائيل، وإقامة سلطة مدنية دون حماس ولا السلطة.
ومهما كانت الوقائع، فقد أعرب عدد من الدول العربية والإسلامية المشاركة عن تحفظها على بعض بنودها، مع دعمها لجهد ترامب فى تحقيق السلام.
ولعل أبرز ما فى الخطة استحداث هيئة دولية انتقالية تُسمى مجلس السلام (غيتا)، برئاسة ترامب، بمشاركة تونى بلير وعدد من التكنوقراط من دول متعددة، تشرف على سلطة انتقالية مؤقتة يعاونها لجنة فلسطينية من التكنوقراط تتولى تسيير الخدمات العامة لسكان القطاع، لحين استكمال السلطة الفلسطينية برنامج إصلاحها.
وهى بذلك تختلف عن المسار الأممى الخاص بحل الدولتين، الذى كان يدعو إلى تشكيل لجنة انتقالية من الفلسطينيين لتتولى إدارة غزة لمدة عام، يعقبها انتخابات رئاسية وتشريعية.
وتتعدد الملاحظات على الخطة، منها: تغييب هدف إقامة دولة فلسطينية، تهميش السلطة الفلسطينية، الغموض فى إدارة غزة، وانسحاب يفتقد إلى جدول زمنى حاسم، مع إنشاء قوة دولية بدون تفويض واضح.
ومهما كان الأمر، فإن الشياطين تعشش فى التفاصيل، خاصة بعد أن أعلنت المقاومة الفلسطينية، وفى القلب منها حماس، موافقتها على الخطة مع الإشارة إلى وجود العديد من التحفظات.
فعلى عكس ما تردد عن أنها خطة معروضة للتنفيذ إما بالرفض أو القبول، فقد بدأت مفاوضات مكثفة ترعاها مصر وقطر حول البنود الأولى للإفراج عن الأسرى من الجانبين، بالإضافة إلى بحث مراحل الانسحاب الإسرائيلى من غزة ووقف عمليات العدوان الإسرائيلى عليها ووقف خطة احتلالها.
وأخيرًا، فإن رؤية ترامب منذ ولايته الأولى تتعامل مع الاقتصاد على أنه المدخل الصحيح لحل الصراع العربى الإسرائيلى، وقد يفسر ذلك مشروع صفقة القرن أو تحويل غزة إلى ريفيرا الشرق، حتى وصلنا إلى خطته الأخيرة التى يشرف على تنفيذها بنفسه.
جوهرة الدولة المملوكية| «المؤيد شيخ» حكاية سلطان «نذر» بناء مسجده فوق سجنه
تدريب طلاب المستقبل| انطلاق منتدى التعليم التقنى والمهنى لدول المتوسط
خبز الأجداد يعـــود| «الساور دو» من الفراعنة إلى «الترند»







