من منظور الأسواق.. لماذا لم تخسر شركات الأدوية رغم ضغوط البيت الأبيض؟

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب - صورة تعبيرية
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب - صورة تعبيرية


في الوقت الذي صعّد فيه البيت الأبيض ضغوطه على شركات الأدوية العملاقة لخفض الأسعار داخل الولايات المتحدة، حدث ما لم يتوقعه كثيرون في الأسواق المالية، حيث «لم تتراجع أسهم هذه الشركات، بل على العكس ارتفعت بقوة».

فبينما احتفى الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب بما وصفه بـ«انتصار تاريخي» على شركة فايزر العالمية لتصنيع الأدوية، أظهرت تحركات المستثمرين أن الاتفاق لم يكن ضربة موجعة للشركة، ولكن صفقة رابحة للطرفين.

ففي غضون 48 ساعة من إعلان التفاهم، قفز سهم فايزر 14%، وارتفعت معها أسهم شركات أخرى، وهذا التناقض بين الخطاب السياسي ورد فعل السوق كشف جانبًا معقدًا من معركة أسعار الدواء في أمريكا، بحسب صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية.

اقرأ أيضًا| فيديو| «من المسؤول؟».. معركة علنية حول أسباب إغلاق الحكومة الأمريكية 

 

اتفاق فايزر.. صفقة مربحة رغم التهديدات الجمركية

أعلن ترامب أنه استخدم ورقة الرسوم الجمركية للضغط على شركة فايزر لتخفيض أسعار بعض أدويتها داخل الولايات المتحدة لتتساوى مع أسعارها في الخارج، في خطوة قال إنها تهدف لتقليل الفجوة الكبيرة في تكاليف الدواء بين السوق الأمريكية والدول الأخرى.

لكن الاتفاق مكّن الشركة من تجنّب فرض رسوم استيراد لمدة ثلاث سنوات، كما لم يشمل أيًا من أدويتها الأكثر مبيعًا، وهو ما طمأن المستثمرين إلى أن الأرباح الأساسية لن تتأثر.

كما ارتفعت أسهم شركات أدوية أخرى، إذ اعتبر المستثمرون أن نموذج فايزر سيصبح مرجعًا لبقية الشركات الكبرى في مفاوضاتها مع البيت الأبيض، مما يعزز مكانة الصناعة ويحدّ من أي خسائر مالية متوقعة.


خسائر محدودة.. وأرباح ضخمة

وفقًا لصحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية، قدّر محلل الاستثمار في شركة "جيفريز" أكاش تيواري أن التكاليف السنوية المحتملة لفايزر جراء هذا الاتفاق قد تبلغ 723 مليون دولار فقط، أي نحو 1% من إجمالي إيراداتها البالغة 63.6 مليار دولار العام الماضي.

وأشار تيواري إلى أن الشركة قدّمت عمليًا «خدمة لبقية الصناعة» من خلال وضع إطار تفاوضي يمكن تعميمه بسهولة ويؤثر تأثيرًا طفيفًا على أعمال الشركات الكبرى مستقبلًا.

ومن الجدير بالذكر أن التخفيضات المعلنة تستهدف بدرجة أساسية برنامج Medicaid الحكومي، الذي يمثل أقل من 5% من إيرادات الشركة داخل الولايات المتحدة، ما يجعل التأثير المالي الفعلي محدودًا جدًا.


استثمارات داخلية ورسائل سياسية

وافقت شركة فايزر، ضمن الصفقة على زيادة استثماراتها في مصانع داخل أمريكا، في خطوة تحمل بُعدًا سياسيًا داخليًا يعزز سردية ترامب حول «إعادة التصنيع إلى الداخل».

وقال مسؤول في البيت الأبيض إن ارتفاع سهم شركة فايزر العالمية، دليل على أن المستثمرين يتوقعون من الدول الأخرى «تحمّل نصيبها العادل» من تكاليف الدواء، ضمن ما وصفه بإعادة التوازن الدولي للأسعار.

من جانبه، وصف ترامب الاتفاق بأنه «رائع للجميع»، مؤكدًا أن تكاليف الأدوية ستنخفض بشكل ملحوظ، بينما قال الرئيس التنفيذي لفايزر ألبرت بورلا إن «الرابح الأكبر هو الشعب الأمريكي» ــــ رغم أن أرقام السوق أوضحت أن فايزر لم تخسر كثيرًا.


مفاوضات متعددة المسارات لضبط الأسعار

تتحرك إدارة ترامب على جبهتين في ملف أسعار الأدوية:

أولا:- المفاوضات المباشرة مع 17 شركة كبرى، بينها فايزر، لإقناعها بخفض الأسعار طوعًا.

ثانيًا: مفاوضات برنامج «ميديكير» للرعاية الصحية، التي تستهدف خفض أسعار 15 من أغلى الأدوية في السوق الأمريكية.

ففي عام 2024 وحده، أنفق البرنامج أكثر من 14 مليار دولار على ثلاثة أدوية للسكري والسمنة فقط (أوزيمبيك، ويغوفي، رايبلسوس)، وهو ما يمثل نحو 12% من ميزانية ميديكير للأدوية، ما يعكس حجم التحدي المالي المطروح، بحسب الصحيفة الأمريكية ذاتها.

اقرأ أيضًا| كل عام أزمة.. لماذا يتكرر شبح الإغلاق الفيدرالي في أمريكا؟


مهمة خفض الأسعار

رغم المفاوضات المكثفة، ما تزال أسعار الأدوية الأمريكية بعد التخفيضات أعلى من ضعف نظيرتها في أوروبا ودول أخرى متقدمة.

ففي المفاوضات السابقة التي فرضها قانون خفض التضخم لعام 2022، حصلت الحكومة على أسعار أقل لعشرة أدوية شهيرة، ومع ذلك، ظلت الأسعار الأمريكية أعلى من المتوسط الدولي.

 

قوة الشركات.. نفوذ سياسي و«لوبي ضخم»

حذّر الخبراء من أن أي محاولات جادة لتقليص أرباح شركات الأدوية ستصطدم بجهاز ضغط سياسي منظم وقوي داخل واشنطن.

فالشركات تُجادل بأن خفض الأسعار قد يُعيق الابتكار ويمنح منافسين صينيين فرصة للتفوق، كما تُلقي باللوم على وسطاء التأمين، وتقترح بدلًا من خفض الأسعار الأمريكية رفع أسعار الأدوية في الدول الأخرى حتى «تدفع حصتها العادلة».

وأكدت مجموعة PhRMA الصناعية، في بيان أن نظام الابتكار الأمريكي "محل حسد العالم" وأن فرض ضوابط تسعير أجنبية سيضر بالمرضى وبالوظائف المحلية.


عوائق قانونية وسياسية أمام البيت الأبيض

سلطة ترامب الفعلية للضغط على الشركات محدودة، إذ يمكن لأي خطوة تنفيذية صارمة أن تُواجه في المحاكم، وقد حدث ذلك عام 2020 عندما حاولت الإدارة فرض تسعير "الدولة الأكثر تفضيلاً" ــــ وهو ما قوبل بدعاوى قضائية من الشركات، قبل أن تسحب إدارة بايدن (الرئيس الأمريكي السابق) الإجراء لاحقًا.

أما سياسيًا، تُواجه حملة ترامب مقاومة من داخل حزبه الجمهوري، إذ وصفت مجموعة مرتبطة بنائب الرئيس السابق مايك بنس هذه الجهود بأنها «ضوابط اشتراكية للأسعار»، في إشارة إلى تحفظات اليمين المحافظ.


انعكاسات دولية غير مباشرة

حتى في حال نجاح الإدارة في فرض الأسعار المنخفضة، قد لا يستفيد المستهلك الأمريكي كثيرًا.

فالشركات قد تختار ببساطة رفع الأسعار في الأسواق الخارجية بدلاً من خفضها في الولايات المتحدة، كما فعلت بعض الشركات عندما أعلنت مؤخرًا زيادة سعر إحدى أنواع دواء السكري في المملكة المتحدة مع تثبيت السعر الأمريكي.

ورغم تصعيد البيت الأبيض ضغوطه السياسية، أثبتت شركات الأدوية الكبرى قدرتها على امتصاص الصدمات وتحويلها إلى فرص اقتصادية، بفضل نفوذها الهائل ونموذج أعمالها العالمي.

في نهاية الامر، يتضح أن اتفاق فايزر مع ترامب كشف بوضوح أن «خفض الأسعار» قد يكون شعارًا سياسيًا أكثر منه تحولًا اقتصاديًا حقيقيًا، بينما تبقى الأسواق ـــ لا المؤتمرات الصحفية ـــ المؤشر الأصدق على من يربح فعليًا من هذه المواجهة.

اقرأ أيضًا| أزمة الرسوم تصل ذروتها.. هل تنقذ المحكمة العليا سياسات ترامب التجارية؟