■ كتب: سمر صلاح الدين
في لحظة تتقاطع فيها السياسة بالدم والدبلوماسية بالمعاناة الإنسانية، تكتسب الأصوات الفلسطينية المخضرمة وزنًا خاصًا فى قراءة ما يجري ورسم ملامح المُمكن.
ومن هؤلاء السياسي الفلسطيني البارز الذي ارتبط اسمه بمحطات مفصلية في التاريخ الفلسطيني المعاصر الوزير الأسبق حسن عصفور وزير شئون المفاوضات في أول حكومة فلسطينية وأمين سر لجنة المفاوضات عشية مؤتمر مدريد، والذي شارك في مفاوضات أوسلو السرية 1993، والعضو المنتخب في أول مجلس تشريعي فلسطيني، فهو معروف دائمًا بمواقفه النقدية الجريئة ورؤيته الواقعية الحادة.. والذي كان معه هذا الحوار.

◄ الشرعية الدولية معنا.. وإسرائيل أصبحت «معزولة»
◄ مصر تتعرض لمؤامرة لانتزاع دورها الإقليمي
◄ حتى لا نعود كل مرة من حيث بدأنا.. هل يكون وقف إطلاق النار شرطًا أول ثم التفاوض على التالي؟ أم أن هجوم الدوحة قد نسف مسار التفاوض؟
ـ كلمة تفاوض من الأصل أعتقد كانت خطأ، لأنه لا يوجد موضوع نتفاوض عليه، معركة نتنياهو من الأصل لم تكن الرهائن، وهذه هى الخطيئة الكبرى التى وقعت فيها حماس.
وقد نبهت بعد ساعات من السابع من أكتوبر وقلت إنها نكبة ثانية على الشعب الفلسطيني، ومؤامرة من إسرائيل نفذتها حماس سواء بسوء تقدير موقف أو غباء أو من خلال الجواسيس. المهم أنهم كانوا على وشك حرب أهلية، سنة كاملة قبل السابع من أكتوبر كانت إسرائيل تعيش صراعًا حقيقيًا «ما كان يسمى بالثورة القضائية» وكان يهود العالم يسمونه بالخراب الثالث.
وكنت وقتها أتصل بكثيرين وأسأل عن حقيقة الأمر، وكان بينهم مسئول أمنى كبير قال لى: نعم نحن ذاهبون إلى حرب أهلية. فكان لابد ـ فى تقديري ـ من هذا الحدث. فالتغيرات التاريخية الكبرى تحتاج إلى أحداث كبيرة. وقالها نتنياهو بعد 48 ساعة من 7 أكتوبر: «نحن ذاهبون إلى تغيير الشرق الأوسط». ما علاقة الشرق الأوسط بغزة؟ وما علاقته بالرهائن؟ وما علاقته بحماس؟ الموضوع كان واضحًا، لكن كثيرين كانوا يصرون أن نرى ما لا يجب أن نراه.
وقتها طلبت من حماس رسميًا أن تسلم كل ما لديها لفريق أمنى مصرى، وتصبح مصر والجامعة العربية ومنظمة التحرير هما جهة التفاوض. ورفضت حماس وقتها، لأن هناك أطرافًا تحركهم ولهم مصلحتهم. لكن ماذا حدث؟ هذه الأطراف عندما وصلت إلى آخر دورها انتهت حاضنتها. كنت داخل فريق التفاوض وأمين سر لجنة المفاوضات وبالتالى المسألة بالنسبة لى ليست استنتاجات. الفارق أننا اليوم نتعامل مع حكومة إسرائيلية أكثر تطرفًا وأكثر فاشية.
وأعتقد بعد ما نشر عن تفاصيل خطة ترامب لوقف الحرب على غزة أن الهدف هو تهيئة المسرح السياسى لبيان سياسى منتظر بين ترامب والأمير تميم ونتنياهو يضع الحروف الأخيرة لرحلة حماس وانتهاء زمن «الضيافة السياسية».

◄ بعد موافقة حماس على صفقة شاملة هل ترونه تغييرًا في البنية الاستراتيجية للحركة أم استجابة تكتيكية لضغط الميدان؟
ـ الحقيقة أنه لا يوجد مسار سياسى من حيث المبدأ، ولابد من استسلام حماس وتسليم كل ما لديها، وعليها أن تحل نفسها، وليس فقط أن تخرج من مشهد الحكم. صحيح أنها لا تملك شيئًا الآن، لكن استسلامها يخفف عداء الشعب الفلسطينى عليها.
◄ اقرأ أيضًا | فلسطين تُرحب بجهود ترامب لإنهاء الحرب في غزة
◄ هل تعتقدون أن المشروع الوطني الفلسطيني قد دخل لحظة تحول بنيوي؟
ـ للأسف التهجير قادم، ليس له علاقة بحماس. وما يحدث فى الضفة ليس فقط للتهجير الداخلى كما نرى، بل الهدف الأساسى هو التهويد الكامل والمصادرة والضم وبناء نظام عنصرى كامل وتطهير عرقى و«أبارتهايد». لكننا لا نستخدم ما يحدث بشكل صحيح سياسيًا.

◄ بعد اعتراف مزيد من الدول بالدولة الفلسطينية ثم الحديث عن خطة «لدولة دون سيادة»، هل تخشون أن يتحول «حل الدولتين» من مشروع تحرر وطنى إلى شكل جديد من السيطرة؟
ـ ما حدث مكسب تاريخى للشعب الفلسطينى، لكن بعدها ماذا علينا أن نفعل كفلسطينيين؟ هل نظل نقول فقط سجلنا انتصارًا؟ لابد أن نأخذ خطوة. على أبو مازن أن يحل السلطة ويعلن الدولة. وهناك فرق، لابد أن يبدل اسم «السلطة» بـ«دولة فلسطين» وننهى كل ما يتعلق بتعبير السلطة. وما أتحدث عنه هو قرار فلسطينى، لكن للأسف هناك حسابات أخرى لا أستطيع أن أتحدث عنها. كان يجب علينا إعلان الدولة منذ 2012 حين حصلنا على عضوية الأمم المتحدة كدولة مراقب. 13 عامًا ولم نأخذ خطوة واحدة تكرس دولة فلسطين. لم نحصل على شىء من وقتها إلا لقب الرئيس.
كل الشرعية الدولية معنا، وإسرائيل دولة معزولة ومنبوذة، وهذه حقيقة وليست دعاية. وقالها نتنياهو واعترف بها. وكل ما شاهدناه فى اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة خير دليل.
◄ هل على الفلسطينيين إعادة تعريف مفهوم «الدولة الفلسطينية»؟ وهل ما زالت بالنسبة لكم مشروع سيادة أم أداة تفاوضية؟
ـ الفلسطينيون لم يستطيعوا عمل شىء بمفردهم. مشروع أوسلو كان ناجحًا، لكن صار عليه تآمر. بعض الأطراف وكذلك أمريكا عرقلت وكانت ضد أوسلو، لأنها لم تكن تريد منظمة التحرير من حيث المبدأ. وكثيرون لا يفهمون هذا الكلام. لو كان بأوسلو ثغرات لما قتل اليهود إسحاق رابين.
◄ هل انتهت أوسلو؟
- أوسلو سقطت كليًا فى معركة 2000 مع الانتفاضة الثانية. دخلنا مواجهة عسكرية مع حكومة إيهود باراك لأربع سنوات. ثم اغتالوا ياسر عرفات وأعادوا احتلال معظم مدن الضفة. ثم جاءت حماس، ولم تكن تعترف بأوسلو ولم يضعوا عليها شروطًا عند تشكيلها الحكومة. دخلت الانتخابات من البداية بدون شروط. من يضع الشروط اليوم على حماس، لماذا لم يضع عليها الشروط منذ 2006؟ شارون انسحب من غزة دون تنسيق مع أبو مازن، ولا حتى باتصال هاتفى. هم لا يريدون منظمة التحرير، ووجدوا فى حماس أداة سهلة، وقتما يريدون يصنفونها إرهابية، ووقتما يريدون تخدم مشروعهم. لكن فى الأخير، هجوم الدوحة كان اغتيالًا لحماس، ولا مستقبل لها على الإطلاق.
◄ هل ما زالت القضية الفلسطينية هدفًا مركزيًا؟ أم تحولت إلى ورقة تفاوضية في السياسات الإقليمية؟
ـ لابد أن ندرك أن إسرائيل أصبحت فى عزلة. والسؤال الآن: كيف يمكن أن نجعل من ذلك أداة قوة؟ هذا يحتاج إلى أدوات. لابد أن يكون لدينا حالة على أرض الواقع تجعل إسرائيل لا تستطيع أن تحقق مشروعها. وهذا يحتاج مواجهة من أطراف ذات صلة. تركنا إسرائيل تفعل ما تريد ونواجهها فقط بالإدانة والتحذير، لكن لا يوجد مشروع واضح بديل قادر على ردعها. كان يجب على قمة الدوحة أن تخرج بقرارات بتعليق العلاقات مع إسرائيل وسحب السفراء ووقف المصالح الاقتصادية. كنا نأمل بإعلان رسمى عربى يضم مجموعة من المشاريع العربية تُحدث تغييرًا نوعيًا. كنا نأمل من المجموعة العربية فى الأمم المتحدة أن يطالبوا بطرد إسرائيل من الأمم المتحدة. كان عليهم أن يطالبوا بتطبيق البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وهذا لا يوقفه فيتو. لماذا لم يطالبوا بتصنيف إسرائيل كيانًا عنصريًا مع كل ما تمارسه من قتل وتهجير وتطهير عرقى؟ للأسف بعد قمة الدوحة الكل يبحث عن مصالحه.
◄ ما الخطوة التى يجب اتخاذها بعد إعلان الأمم المتحدة رسميًا عن المجاعة والإبادة الجماعية في غزة؟
ـ كان علينا تحضير مشروع سياسى عام لمحاصرة دولة العدو وفق الفصل السابع لميثاق الأمم المتحدة، وهى خطوة ذات بُعد استراتيجى لو أُريد حقًا مساءلة قانونية بعيدًا عن ثوابت العجز المستمرة منذ ما يقرب من 700 يوم. وهى خطوة ضمن قانونية الشرعية المقررة بعيدًا عن البحث عن طرق مجهولة. المحاصرة العدوانية للكيان لم تعد حدودها فلسطين، لذلك الذهاب إلى إحياء الفصل السابع لمطاردة دولة العدو ليس ترفًا سياسيًا، لكنه سلاح وضرورة، لكنه يحتاج إلى موقف وإرادة. يجب أن نفتح بابًا لتغيير منطق المساءلة والمحاسبة لهذه الدولة المارقة بالمعنى الشمولى، خاصة بعدما أضاف رئيس وزرائها هدفًا توسعيًا عبر «إسرائيل الكبرى» الذى كشف جوهر الفكر التهويدى السائد.
◄ كيف تنظرون إلى الدور المتصاعد للصين وروسيا فى دعم فلسطين سياسيًا؟ وهل له دور مؤثر فى دعم قرارات دولية؟
ـ قمة شنجهاي كانت رسالة للعالم. أسموه تحالف الأقوياء. نشهد تشكيلًا جديدًا للعالم بأقطاب جديدة. الرئيس الأمريكي ترامب يفهم هذا جيدًا، لذلك هو يتخلى عن أوروبا الآن لأنها أصبحت عبئًا عليه وليست داعمة له. هو مدرك تمامًا أنه لا توجد حروب عسكرية تقليدية، لذلك أصبح يطلب من الناتو دفع أموال ويفرض عليهم التعريفات الجمركية بعد امتيازات كبيرة كانت تحصل عليها أوروبا فى إطار الحرب الباردة. الآن لم تعد أمريكا بحاجة لهم، لأن العالم الآن لم يعد كما كان سابقًا. لا يوجد حرب باردة بنفس ذات المعنى، يوجد الآن مصالح. اختلفت المعادلة وتغير جديد يرسم العالم، إذا لم نقرأه جيدًا فلا فائدة من أى كلام.
◄ رغم صمود الموقف المصرى من محاولات التهجير، ما زالت تواجه مصر خطر التطور السلبى على حدودها الشرقية، ما قراءتكم لما هو قادم؟
ـ أكثر دولة تتعرض للتآمر بعد فلسطين هى مصر، وعليها أن تحمى نفسها. لكن هناك فرق بين الإحساس بالخطر وبين الاستعداد والتجهيز لمواجهته.
ندرك جيدًا حجم المؤامرة التى تعيشها مصر لسحب دورها الإقليمى، ونتابع ما يحدث فى إثيوبيا والسودان ومن شارك ومن موّل. المؤامرة ليست جزئية بل أشمل. وعندما قال نتنياهو تعبير «تغيير الشرق الأوسط» كان يعنى دور مصر الإقليمى، لأن أى تغيير لدور مصر الإقليمى يعنى هيمنة إسرائيلية. إذا لم يتم تحالف عربى حقيقى بين القوى العربية الفاعلة، لا أحد يطلب من مصر أن تقف وحدها.
دبلوماسية فاعلة وتنمية لا تتوقف .. تحركات رئاسية لدعم الاستقرار الإقليمى وصناعة المستقبل
لا اعتراف.. لا شرعية.. لا عبث بالتاريخ| القاهرة تتصدى لـ«سفارة الوهم» على أرض القدس
نقيب الفلاحين يتوقع تراجع الأسعار قريبا.. الطقس والسوسة وراء «هيستريا الطماطم»







