محمد صلاح الزهار
«صندوق الرنجه» أيضًا كان هو الوسيلة التى كان نستمع من خلالها إلى خطاب ناصر، كما كان هو وسيلة الاستماع إلى الست أم كلثوم مساء الخميس الأول من كل شهر.
عشقى للصحافة بدأ مع «صندوق الرنجه» !
و«صندوق الرنجه» هذا كان عبارة عن راديو خشبى بنى اللون، ويقارب فى الحجم حجم الصناديق الخشبية التى كان تعرض فيها، الأسماك المملحة «الرنجه»، وخاصة فى عيد شم النسيم، ومن هنا أطلق والدى رحمة الله على الراديو «صندوق الرنجه»!.
كان ذلك الراديو، أو «صندوق الرنجه» هو الوسيلة الوحيدة فى بيتنا للإطلالة على آخر التطورات والأخبار.
بالطبع وفى سنوات الطفولة المبكرة لم يكن لدى اهتمامات بمتابعة الأخبار، ولكنها كانت هواية والدى ـ رحمة الله عليه ـ نشرة الثامنة والنصف التى كانت تذاع يوميًا على موجة البرنامج العام براديو القاهرة كان دائمًا هو موعده اليومى لمعرفة آخر أخبار العالم عبر «صندوق الرنجه»!
لازلت حتى اللحظة أذكر دقات الساعة التى كان يبثها راديو القاهرة، عند الثامنة والنصف مساء كل يوم، وبمجرد أن تنتهى الدقات يأتينا صوت المذيع أو المذيعة ليقول: أعلنت ساعة جامعة القاهرة الثامنة والنصف، نحييكم ونقدم لكم نشرة الأخبار، بعدها يقرأ المذيع أو المذيعة بعض عناوين الأخبار، ويختتمها بعبارة: كانت هذه هى العناوين وإليكم الأنباء بالتفصيل، يقرأها «فلان أو فلانة» ويذكر المذيع أو المذيعة اسم أى منهما، وبعدها نسمع اللحن المميز لنشرة أخبار البرنامج العام، التى هى فى الأساس أحد ألحان موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب.
«صندوق الرنجه» أيضًا كان هو الوسيلة التى كان يستمع عبرها والدى إلى خطاب الرئيس.. فى البدايات كان الرئيس هو الزعيم جمال عبدالناصر، ومن بعده الرئيس السادات.. و»صندوق الرنجه» كذلك كان هو الوسيلة للاستماع إلى أغانى السيدة أم كلثوم مساء الخميس الأول من كل شهر.
أهرام الجمعة
جريدة الأهرام، وبخاصة، عدد الجريدة الذى كان يصدر صباح كل جمعة، وسيلة أخرى كان يحرص الوالد من خلالها على متابعة تحليلات التطورات وما وراء الأخبار السياسية التى كان يكتبها الأستاذ محمد حسنين هيكل فى مقاله الأسبوعى «بصراحة».
دون أن أشعر وجدت نفسى مرتبطًا بمتابعة الأخبار السياسية عبر نشرة الأخبار وخُطب رئيس الجمهورية، وبقراءة تحليلات الأستاذ هيكل، فقد كنت وبلا ترتيب، وربما بالمصادفة، المسئول عن تشغيل الراديو «صندوق الرنجه» دائم الأعطال، والذى كانت الخبطات القوية التى أوجهها بكلتا يدى على مختلف جوانبه دائمًا ما تخرجه عن صمته، وبالمصادفة أيضًا كنت أنا المكلف من والدى بالذهاب إلى بائع الجرائد لأشترى الأهرام صباح كل جمعة.
المرحومة أمى أيضًا، كانت وربما ودون أن تدرى، هى من رسخ فى ذهنى حب القراءة، رغم إنها لم تكن تقرأ أو تكتب، ولكنها كانت حريصة على أن تدفعنى لقراءة اللافتات التى كانت تعلو واجهات المحلات التجارية وعيادات الأطباء أو سيارات النقل العام، كانت كلما نسير فى طريق تقول لى العبارة الشهيرة: «اقرا اليافطة دى يا محمد مكتوب عليها إيه؟».
فى سنواتى الأولى كنت أقرأ بصعوبة، ولكنها، ورغم إنها لم تكن تعرف النطق الصحيح، للكلمات إلا أنها كانت لا تتوقف عن مطالبتى بالقراءة، وشيئًا فشيئًا، وحتى الآن، باتت هواية قراءة اللافتات التى تواجهنى فى أى مكان ملازمة، وبالطبع أتاحت هذه المطالعات المتواصلة لأرقام لوحات أتوبيسات النقل العام، وواجهات المحلات التجارية والبنايات، أتاحت لى قاعدة معلومات ضخمة من المعارف والمعلومات.
هجرة طوعية
نشأت فى بيئة متوسطة اقتصادية، والدى كان رجلًا عصاميًا، هجر قريته فى محافظة المنوفية مع سنوات شبابه المبكرة (منتصف أربعينيات القرن الماضى)، تاركًا وراءه الأنشطة التجارية التى كان يمارسها أفراد أسرتى والده ووالدته هناك، وكانت عائلتا والديه، من العائلات الميسورة ماديًا، ولكنه أصر على الخروج إلى المدينة (القاهرة) فى رحلة لإثبات الوجود بعيدًا عن الثروات العائلية، وعلى مدى مشوار حياته حقق نجاحات معقولة فى مجال التجارة وفرت لأسرتنا نوعًا من الحياة المريحة الميسورة.
كان والدى حاصلًا على الابتدائية الأزهرية القديمة، وكانت هذه الشهادة عظيمة الشأن، فى ذلك الزمان، كان مدركًا للشأن العام، ملمًا بالتطورات السياسية والاجتماعية، وكان يتسم بعقل راجح ورؤية ثاقبة، وكان محل ثقة وملجأ للكثيرين من الأصدقاء والجيران لحل المشكلات وتجاوز الأزمات.
كان يتعمد منذ سنوات إدراكى الأولى أن يشركنى فى أمور حياته الخاصة والعامة، وكثيرًا ما كنت أقضى أوقات طويلة مستمعًا لما يروى عن أعماله وما ينوى عمله، وكان يسألنى عن رأيى فيما يقول، كان حريصًا أيضًا أن أكون حاضرًا جلساته ولقاءاته مع أصدقائه وأحبابه.
بالطبع فى البدايات لم أكن مدركًا لأبعاد ما كان يفعل أو يقول أو يسأل عنه، ولكن ومع مرور الأيام ومع اعتياده على اطلاعى على كل ما يفكر فيه أو ينشغل أو يخطط لتنفيذه، تبينت أنه غرس فى ذهنى، بتعمد أو بدون أن أدرى، نمط حياة يعتمد التفكير العميق والاستشارة والاستزادة من تجارب ونصائح المحيطين، تبينت أيضًا أنه غرس فى ذهنى حرصًا دائمًا على صداقة الأكبر منى سنًا.
أم محمد
المشوار الأسبوعى لشراء عدد الجمعة من جريدة الأهرام لوالدى لقراءة مقال الأستاذ هيكل، كان سببًا إضافيًا لزيادة شغفى وحبى للاطلاع والقراءة وخاصة الصحف والمجلات، وكانت الست «أم محمد» بائعة الصحف القريبة من منزلنا، دافعًا ومشجعًا إضافيًا لى لقراءة الصحف اليومية والمجلات.
الست أم محمد تلك، كانت سيدة بسيطة رقيقة الحال، ولكنها كانت ذات نظرة ثاقبة وعميقة حيال ما تعرض على «فرشة» الكتب والجرائد التى تبيعها للمارة.
على ما يبدو أنها استشعرت ما بداخلى من ميل فطرى نحو القراءة والاطلاع، فكانت كلما ترانى أمامها صباح كل جمعة للسؤال عن الأهرام، التى يحتاجها والدى لقراءة مقال هيكل، كانت أم محمد أول من لفت انتباهى وشجعنى على قراءة مجلات الأطفال «سمير وميكى» ومن بعدهما الألغاز وهى لمن لا يعرف من أبناء الجيل الحالى كتيبات صغيرة فى حجم الكف، كل كتيب يدور حول قصة بوليسية، ومجلات الأطفال والألغاز تلك، كما أدركت فيما بعد كانت بمثابة التعود على القراءة لفترات.
وكأنها كانت تدرك أنها تنفذ مخططًا لدفعى لاحتراف القراءة والكتابة بثبات، تدرجت الست «أم محمد» صاحبة فرشة الصحف والجرائد وبدأت تدفعنى لقراءة المجلات العربية الأنيقة، ذات الطباعة الفاخرة، التى كانت فى العموم مليئة بالصور والموضوعات الثقافية والفنية والاجتماعية المنوعة، هذه المجلات كانت تصدر فى ذلك الوقت من عدد من العواصم الخليجية، من هذه المجلات مجلة العربى ومجلة الدوحة ومجلات أخرى كثيرة لا أتذكر عناوينها الآن، وبالطبع كانت الست أم محمد قد شجعتنى على مطالعة الصحف اليومية التى كانت تصدر فى تلك الفترة، وعلى مدى سنوات ليست بالقليلة أصبح مشوارى لفرشة جرائد الست أم محمد مشوارًا يوميًا، سواء كنت متوجهًا إلى المدرسة الإعدادية ومن بعدها الثانوية، أو فى أيام العطلات والإجازات وأصبحت القراءة والاطلاع دستورًا مقدسًا فى حياتى إلى أن احترفت مهنة القراءة والكتابة.

السيد النجار يكتب: ومـاذا عن..؟
حكايات من دفاتر الآثار
أسرار جائزة مصطفى وعلى أمين







