محمد قناوي يكتب: مهرجان القاهرة السينمائي يوثق ربع قرن من الإبداع

الكاتب الصحفي محمد قناوي
الكاتب الصحفي محمد قناوي


مساء أمس وفي خطوة تحمل أبعادًا نقدية وتوثيقية غير مسبوقة، أعلن مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، بالشراكة مع الاتحاد الدولي للنقاد السينمائيين (فيبريسي) وجمعية نقاد السينما المصريين، نتائج استفتاء "أفضل 25 فيلمًا مصريًا في الربع الأول من القرن الحادي والعشرين" وجاءت المبادرة ضمن احتفالات الاتحاد الدولي بمرور مئة عام على تأسيسه، لتتحول إلى حدث نوعي يعيد قراءة المشهد السينمائي المصري بين عامي 2001 و2025.


أهمية الاستفتاء تكمن في كونه جاء عبر تعاون ثلاثي بين مؤسسة مهرجانية مرموقة "القاهرة السينمائي"، وجمعية مهنية "نقاد السينما المصريين"، وهيئة دولية كبرى "فيبريسي"، ما يمنحه بعدًا يتجاوز المحلية. كما أن إصدار كتاب توثيقي شامل يتضمن تحليلات نقدية للأفلام المختارة يضمن أن تتحول القائمة إلى مرجع ثقافي ونقدي للأجيال المقبلة، وليس مجرد حدث عابر.


القائمة الأولية التي أرسلت إلى النقاد تضمنت 881 فيلمًا مصريًا طويلًا عُرضت جماهيريًا بين يناير 2001 ويوليو 2025، سواء في القاعات التقليدية أو عبر المنصات الإلكترونية والقنوات الفضائية، وقد شارك 63 ناقدًا وناقدة من أعضاء الجمعية، ما يعكس إقبالًا لافتًا وحرصًا على تقديم صورة متوازنة، ورغم غياب الأشهر الأخيرة من 2025 عن الحصر، فقد آثر المنظمون إعلان النتائج في توقيت المهرجان لضمان الطابع الاحتفالي والاستفادة النقدية المباشرة.


القائمة النهائية جاءت كاشفة لملامح بارزة في المشهد السينمائي:  المخرج داود عبد السيد حضر بفيلمين"رسائل البحر"، "مواطن ومخبر وحرامي" ليؤكد مكانته كصوت فلسفي ورمزي بارز ، أما المخرج يسري نصر الله فحضر بثلاثة أعمال "باب الشمس"، "احكي يا شهرزاد"، "جنينة الأسماك" جسّد عبرها جدلية العلاقة بين الذاتي والسياسي،  وحضر المخرج محمد خان بعملين "في شقة مصر الجديدة"، "فتاة المصنع"،استكمل مشروعه الواقعي المرهف.


أما حضور المخرجات النساء فجاء لافتا: فنجد المخرجة هالة خليل حضرت "أحلى الأوقات"، كاملة أبو ذكري"واحد صفر"،هالة لطفي"الخروج للنهار"، بما يؤكد صعود الصوت الأنثوي في السرد السينمائي ، أما جيل الموجة الجديدة يتجلى في أفلام مثل "ميكروفون" لأحمد عبد الله السيد و"آخر أيام المدينة" لتامر السعيد، حيث البحث عن لغة بصرية بديلة وجرأة في التعبير عن الهامش.


توزيع الأفلام بين مدارس مختلفة عكس التعدد الذي احتضنته السينما المصرية خلال هذه الفترة: فنجد واقعية اجتماعية صارمة في "الخروج للنهار" و"ريش" ، وأبعاد سياسية صاخبة في "هي فوضى" و"احكي يا شهرزاد"، وحس ميلودرامي إنساني في "سهر الليالي" و"أحلى الأوقات"، ونزعة ملحمية وجماهيرية في "إبراهيم الأبيض" و"الجزيرة"، هذا التوازن كشف عن مشهد متحرك لم يتقوقع في مسار أحادي، بل تنقل بين الطرح الجماهيري والفني، بين المحلي والعالمي.


 تصدّر فيلم «بحب السيما» (2004) لأسامة فوزي القائمة يحمل دلالة خاصة، إذ إن العمل الذي واجه معارك رقابية ودينية عند عرضه تحول بمرور الزمن إلى مرجع نقدي يعكس جرأة طرحه ورؤيته الإنسانية، كما أن دخول فيلمين من إنتاج 2025 "البحث عن منفذ لخروج السيد رامبو"، "أبو زعبل 89" يثبت أن النقاد منحوا الأعمال الجديدة اعترافًا مبكرًا بقيمتها الفنية. والأهم أن غياب بعض الأفلام التجارية الكبرى أكد أن المعيار النقدي – لا شباك التذاكر – هو ما حكم التصويت.


لا يتوقف هذا الاستفتاء عند حدود التوثيق، بل يفتح الباب لتساؤلات أوسع: هل يمكن أن تعيد مثل هذه القوائم توجيه الاهتمام النقدي نحو أعمال لم تحظ بالانتشار الجماهيري الكافي؟ وهل تتحول إلى أداة لإعادة ترميم وعرض أفلام مهملة؟ والأهم: هل تسهم في صياغة وعي جديد يربط بين الماضي والحاضر ويؤسس لمستقبل أكثر ثراءً للسينما المصرية؟
في النهاية، يمثل هذا الاستفتاء علامة فارقة في علاقة المهرجانات بالنقد السينمائي، إذ لا يكتفي مهرجان القاهرة بعرض الأفلام، بل يشارك في صناعة مرجعية نقدية تؤرخ وتحلل. وهو ما يعكس انتقال المهرجان من كونه مجرد منصة للعرض إلى كونه مؤسسة بحثية ثقافية تساهم في رسم صورة السينما المصرية ومكانتها في القرن الجديد