تساؤلات

طير أبابيل

أحمد عباس
أحمد عباس


الصينيون مستعدون جدًا والروس ذئاب منفردة وأوروبا عجوز وأمريكا تملك البحار، والقصة معقدة بما يكفى للإبقاء على الأمور كما هى

الحرب التى قامت قبل ثلاثة أعوام واستمرت حتى الآن بين روسيا وأوكرانيا لا تبدو لها نهاية صارت غريبة جدًا، انشقاقاتها عجيبة وتحالفاتها أغرب، الحركة بدأت بعملية عسكرية موسعة ترقى لمصاف الحروب الكبرى، لكن الإدارة الروسية أصرت على تسميتها بالعملية العسكرية فقط دون استخدام كلمة حرب، وشددت على وسائل الإعلام بعدم استعمال لفظ «حرب»، والتزمت أغلب الوسائل بهذا الطلب لا لشىء سوى أنه مطلب روسى واضح، وفى الغالب مطالب الدول العظمى لا يتم رفضها أو معارضتها، ولا يهم حينها إذا ما كان هذا المطلب حقيقيًا أو لا ولكن الأهم هو تنفيذه لئلا تتأثر المصالح والعلاقات المشتركة بين الدول.
استمر الوضع هكذا فليسمها الإعلام ما يشاء بينما الأرض عليها من يحكمها، عمليات صخمة تتوسع بين الأقاليم الأوكرانية وتتنوع ما بين عمليات كر وفر، الروس يتقدمون تحت نيران من المدفعية العسكرية الهائلة بينما الأوكران يتدثرون بغطاء مهلهل من السلاح الأمريكى والأوروبى المشترك، لا أقول مهلهلًا لعدم جدواه.. أبدًا، فالسلاح مهما كان صغيرًا هو فعال إذا كان ملائمًا للمعركة، بل مهلهل لعدم استدامته أو كفايته.
الاتحاد الأوروبى برمته ارتبك بشدة، فبين رغبته فى مساندة الأوكران الذين يقفون على حافة قارتهم عديمة الحيلة من جهة، وبين عدم قدرتهم على الاستغناء عن عروق إمدادات الطاقة التى تسرى فى عصب القارة البيضاء ممتدة من روسيا من جهة أخرى، وعلى مشارف فصل الشتاء يزيد الخوف دائمًا لدى الحكومات من تجمد ما يصيب شرايين القارة وترتفع معه حدة المخاوف من إحراج الحكومات أمام شعوبها، لكن الأمر كان جد خطيرًا، ورغمًا عنها أوقفت أوروبا استيراد الغاز الطبيعى المسال من روسيا واستعاضت عنه بالفحم، الوقود الملوث للبيئة الذى أوقفت الاعتماد عليه قبل أعوام.
تأرجحت الأمور خلال هذه السنوات بين هنا وهناك، روسيا تضرب وتتقدم وأوكرانيا تدافع وتحاول الصد وتقفز بضربات نوعية. الغرب يشجب ويندد ويدين بينما لا يد واحدة اجترأت على خط قرار أهوج، فقط دعم بأسلحة قصيرة وشديدة النوعية للمساهمة ودرء المخاطر، حتى خلت خزائنها وامتعضت الشعوب، وفى أمريكا كانت هناك مفارقات كثيرة على طول خط العلاقة بين الديموقراطيين سابقًا وبين الرئيس ترامب، لكنها مؤخرًا انتهت بقرار أمريكى بدعم أوكرانيا فى مجال التسليح، وشاهدنا أيضًا ضمن ما شهدنا قمة الاسكا بين الرئيس الأمريكى والقيصر الروسى، والحق أنها كانت مُحبطة لكليهما.. لكنها انتهت.
قبل ليلتين فائتتين قرأت خبرًا مقتضبًا جدًا عن تعاون عسكرى صينى روسى يقضى بأن تتولى الصين تدريب الروس على تسيير المسيرات الخفيفة والذكية والكثيفة والمؤثرة وذلك عبر تعاونات قائمة وربما بتكنولوجيا صينية، ساعتها كأننى رأيت طيرًا أبابيل تحلق فوق أوروبا، أسراب من جراد منتشر تمرق فى سماء أوكرانيا وأوروبا، والله هذا ما رأته عينى وأنا أقرأ الخبر، أما الخبر الأول صباح أمس فكان أن خمسمائة مسيرة روسية حلقت فى سماء أوكرانيا ليلة أمس!
الخلاصة أن الصراع محتدم جدًا ولا يزال بين خوف أوروبى بأن تبقى القارة منفردة فى عصمة روسيا فتبتلعها، وبين وعيد أمريكى يحفظ ادعاءات القدرة على السيطرة، ودهاء صينى قناص للفرص.
الصينيون مستعدون جدًا والروس ذئاب منفردة وأوروبا عجوز وأمريكا تملك البحار، والقصة معقدة بما يكفى للإبقاء على الأمور كما هى فى كل مكان، ومرة أخرى الصينيون جاهزون ويترقبون ولا يضيعون الفرص، يتحينون الفرصة فقط للخروج فى أبابيل طيور تنتشر.