خمسون عامًا على وفاة جمال عبدالناصر، الزعيم الذى ارتبط اسمه بالقومية العربية والقضية الفلسطينية، ولا يزال حضوره قائمًا.. رحل فى ٢٨ سبتمبر ١٩٧٠، ولم يكن مجرد رئيس لمصر، بل رمزًا لطموح أمة بأكملها من المحيط إلى الخليج. وبين مؤيديه وخصومه لا يزال الجدل: هل أخطأ حين ربط مصير مصر بالقومية العربية؟
جاء عبد الناصر إلى الحكم بعد ثورة يوليو، حاملًا مشروعًا وطنيًا قائمًا على الاستقلال والتنمية والكرامة، ومنح مصر دورًا إقليميًا قياديًا، وأشعل جذوة القومية العربية، فالتفت حوله شعوب المنطقة، لكنه وجد نفسه فى قلب معارك إقليمية ودولية، لم يسعَ إليها بل فُرضت عليه.
كسرت هزيمة يونيو ١٩٦٧ الحلم الكبير وفتحت الباب أمام انتقادات حادة بعضها من الأشقاء قبل الخصوم زادت آلامه وأحزانه، ورغم ذلك لم يتراجع عن التزامه بالقضية الفلسطينية، وأخذ على عاتقه وقف مذبحة أيلول الأسود، ولم يتحمل قلبه أوجاع العروبة فأسلم الروح.
بعد رحيله غيَّر الرئيس أنور السادات المعادلة، وبعد أن قاد حرب أكتوبر المجيدة، وحرَّر الأرض واستعاد سيناء، اتجه إلى خيار السلام داعيًا العرب أن يكونوا شركاءه، غير أن الاستجابة جاءت عكسية، وأسست بعض الدول العربية جبهة «الصمود والتصدى» التى حاصرت مصر بدلًا من إسرائيل، وضيقت على شعبها فى حين ظلت أسواق تلك الدول مفتوحة أمام الغرب.
مرور نصف قرن كشف حقائق كثيرة، أهمها أن الشعارات القومية بقيت كلامًا أكثر من الفعل، بل ظن بعض الأشقاء أن إضعاف مصر يقويهم وأن إفقارها يغنيهم، وزادت الكراهية مع صعود الإرهاب وتسللت إلى الشعوب نفسها، ولعبت الجماعات المتطرفة مثل الإخوان، دورًا خطيرًا فى ضرب الهوية الوطنية واستخدام الشعارات الدينية لتحقيق مطامعها السياسية.
ومع مرور خمسين عامًا على رحيل الزعيم، تبدو مصر أكثر وعيًا بدروس الماضى، لم تتخلَّ عن دورها العربى وظلت على إيمانها بالعروبة، لكنها لم تعد تضع أحلام الآخرين فوق أولوياتها، وأدركت أن قوتها الحقيقية باتت فى بناء الداخل عبر الإصلاحات الاقتصادية والمشروعات القومية الكبرى، ما جعلها أكثر صلابة فى مواجهة التحديات والمؤامرات.
عبد الناصر لم يُخطئ بقدر ما كان يحلم أكثر مما تحتمل الظروف، ومات مرتين: الأولى حين انهار حلم تحرير فلسطين بعد نكسة يونيو، والثانية حين أسلم الروح بعد أن حمل هموم العرب على كتفيه، لكن مصر لم تمت، وظلت واقفة بشعبها الصامد لتثبت أن قوتها الذاتية هى السند الحقيقى، ورغم الخلافات والمواقف تبقى مصر كبيرة فى قلوب العرب الذين لم تتلوث نفوسهم بالكراهية.
وفى ذكرى وفاة عبد الناصر بعد نصف قرن، يبقى السؤال مطروحًا: هل كانت العروبة قدرًا أم عبئًا؟.. المؤكد أن الزعيم ترك إرثًا خالدًا، وأن مصر ستظل الرقم الأهم فى معادلة المنطقة.

فى الخامس من يونيو
إدانة.. ولكن «2»
الذكاء الاصطناعى سفينة نوح







