باتت ظاهرة التطرف الإسلامى فى أوروبا تشكل خطرًا جسيمًا ليس فقط على هوية تلك المجتمعات بل تجاوزتها لتهدد جوهر القبول بالآخر فى تلك الدول وتحول فكر تلك الجماعات من مجرد خطب حماسية تُلقى فى مساجد صغيرة أو جمعيات محلية، إلى ظاهرة متجذرة قادرة على تفجير قطارات، وحافلات، ومقاهٍ فى قلب العواصم الأوروبية. البداية الصادمة كانت فى مدريد عام 2004، حين انفجرت عشر قنابل فى قطارات الضواحى وأسقطت 191 قتيلًا وأكثر من ألفى جريح وأثبت التحقيقات وقتها أن منفذى العملية خلية صغيرة معظمها من أصول مغربية، تحركت بموارد محدودة لكنها مشبعة بخطاب القاعدة. كانت رسالة دامية أن أوروبا لم تعد بعيدة عن ساحة الصراع.
لكن مدريد لم تكن سوى الشرارة. بعد عام واحد فقط، اهتزت لندن فى 7 يوليو 2005 حين فجر أربعة شبان بريطانيين أنفسهم فى المترو والحافلات، ليقتلوا 52 شخصًا ويصيبوا المئات. الصدمة أن هؤلاء لم يأتوا من الخارج، بل وُلدوا وتعلموا داخل بريطانيا. هنا برز التحليل الأعمق: المشكلة لم تعد «وافدة» فقط، بل تجذرت داخل الجاليات بفعل التهميش الاجتماعى والفقر والخطاب الدينى المتشدد.
ثم جاءت فرنسا لتدفع الثمن الأكبر. فى 2015، عاش الفرنسيون كابوس مسرح باتاكلان والمقاهى الباريسية، حيث قُتل 130 شخصًا فى هجمات منسقة أعلن تنظيم داعش مسئوليته عنها. وبعدها بعام واحد فقط، تحولت شاحنة فى نيس إلى أداة قتل جماعى، دهست الحشود وخلّفت 86 قتيلًا. هنا برز النمط المزدوج: خلايا منظمة مرتبطة بسوريا والعراق، وأفراد متأثرون بخطاب متطرف قادرون على تحويل أى أداة إلى سلاح.
ومن ناحية أخرى، بلجيكا بدورها لم تنجُ من الحصار. تفجيرات بروكسل 2016 فى المطار والمترو قتلت 32 شخصًا، وكشفت أن ضاحية مولنبيك تحولت إلى بؤرة لتخزين السلاح وإيواء المطلوبين. تقارير الاستخبارات البلجيكية وصفت الحى بأنه «دولة داخل الدولة»، ما يوضح كيف يمكن للمدن الأوروبية أن تصبح حاضنة صامتة للتطرف.
وفى السياق ذاته، ألمانيا أيضًا عرفت مرارتها الخاصة. فى ديسمبر 2016، دهس طالب لجوء تونسى حشدًا فى سوق عيد الميلاد ببرلين فقتل 12 شخصًا. لم يكن ضمن شبكة كبيرة، لكنه مثال حى على «الذئاب المنفردة» التى يصعب على الأجهزة الأمنية رصدها أو منعها.
هذه الأمثلة تكشف عن خيط مشترك: الإرهاب فى أوروبا ليس مجرد فعل عنيف، بل انعكاس لبيئات اجتماعية واقتصادية مضطربة. البطالة المرتفعة فى ضواحى باريس، الفقر المتجذر فى أحياء مارسيليا، العزلة الثقافية فى مولنبيك، ومشكلات الهوية فى برمنغهام وبرلين، كلها عوامل خلقت مساحات فراغ ملأتها جماعات متطرفة بخطاب الكراهية.
السلطات الأوروبية حاولت الرد عبر تشديد القوانين، مراقبة التمويل الخارجى للمساجد، وإغلاق الجمعيات المشبوهة. الاتحاد الأوروبى أنشأ منصب منسق لمكافحة الإرهاب ووسع من صلاحيات «يوروبول». لكن يبقى التحدى أن المواجهة الأمنية وحدها لا تكفى، فالمعركة الحقيقية تدور حول التعليم، الاندماج، والقدرة على إعادة هذه الأحياء إلى سلطة الدولة.
إن منابر الكراهية فى المدن الأوروبية قد لا تطلق الرصاص يوميًا، لكنها لاشك ستغيّر ملامح القارة ببطء وتهدد جوهر بدء التعايش المشترك الذى قامت عليه المجتمعات الأوروبية.

شريف زرد يكتب: كيف أعاد كريم بدوي رسم خريطة الطاقة وهيكلة "البترول" من الداخل؟
عيد الإعلاميين
ايمان ممتاز تكتب : لماذا يحتاج الشباب إلى الوعي السياسي الآن أكثر من أي وقت مضى؟







