«ملحمة شربات».. مدرسة تبيع أسطوانات البوتاجاز لإعالة أسرتها| فيديو

صورة موضوعية
صورة موضوعية


كتب: إسلام عبدالخالق

«ست بـ 100 رجل».. عبارة يحفظها الناس ويطلقونها لوصف إحدى بنات حواء حال تمكنها من إظهر مواقف بطولية ومسؤولة، إلا أن تلك الكلمات أقل بكثير من أن تصف ما تفعله «الأستاذة شربات» المدرسة في التعليم الأزهري في محافظة الشرقية، والتي ابتليت بظروفٍ لم تختارها، لكنها وقفت موقف أشد الرجال قدرةً على تحمل المسؤولية لتجسد أسطورة وملحمة حية يراها الناس ويضرب بها المثل، بدايةً من وفاة والدها وهي طفلة لم تبلغ سن الحُلم بعدْ، مرورًا بتحملها نفقات دراستها حتى تفوقها وعملها في التدريس، وصولًا إلى تكفلها عن طيب خاطر بمسؤولية شقيقتها الصغرى بعدما أدار الزمن وجهه لها وتركها دون سند أو مصدر دخلٍ في عِداد السيدات اللائل لم يبتسم لهن حظ استمرار الزواج، هي وطفلها دون عائل.

 

وسط قرية «السعديين» القابعة هناك في مركز منيا القمح جنوب محافظة الشرقية، وبينما يُرفع آذان الفجر، يبدأ يوم «شربات عبدالوهاب عبدالمقصود» السيدة صاحبة الخمسة وأربعين ربيعًا التي تمارس عملها في مهنة التدريس الأزهري منذ نحو عقدين من الزمان، تستيقظ مبكرًا وتؤدي فرضها لتستعد إلى الذهاب إلى عملها بهندامٍ متأنق كما هي عادتها منذ نحو عشرين عامًا، لكن في نهاية اليوم الدراسي تعود إلى مسكنها قبل أن تغادره خلال فترة وجيزة في ملابس أخرى تحتمل العمل بقسوة في بيع أسطوانات البوتاجاز.

 

دراجة بخالرية (تروسيكل) وبضع أسطوانات فارغة تملؤها لتبيعها وتعيد الكرة كل يوم، ذاك محصلة رأس مال «الأستاذة» كما يلقبها أبناء القرية، لكنها في سبيل عملها تستعين بشقيقتها «صباح» التي تصغرها بنحو ست سنوات، تجسدان قصة كفاح لا يقوى على تحملها أعتى الرجال؛ فالأخت الكبرى تقود التروسيكل المحمل بالأسطوانات، فيما تتكفل الصغرى بالطرق على الأسطوانات كما لو كانت تعزف اللحن المعروف لجذب انتباه عوام الناس بأن هناك اسطوانات جاهزة، وحين ينده أحدهم عليهم تتوقف الأولى وتحمل الثانية أسطوانة على رأسها لتبيعها وتعود بالفارغة، وفي بعض الأحيان تكبها حال كانت «الزبونة» سيدة لا تقوى على تغييرها.

 

كفاح الشقيقتان تسبقه قصة أكثر ملحمية، تلك التي بدأت حين توفى «الحاج عبدالوهاب» والدهم قبل نحو خمسة وثلاثون عامًا، حين صدمهم القدر وكتبت نهايته جراء حادث مروع تعرض له أثناء عمله في مهنته آنذاك، لترث «شربات» مهنة والدها وتعمل منذ كانت تدرس بالمرحلة الإعدادية وقتها.

 

إقرأ أيضاً| معاق بصريًا ومتفوق دراسيًا.. حكاية شنوده «قاهر الحديد»

 

مرت اليام ثقيلة على «شربات» لكنها كانت مثالًا للعزيمة والإصرار؛ إذ استمرت في عملها ودراستها دون كلل أو ملل حتى كافأها الله بأن التحقت بإحدى الكليات النظرية وحصدت درجة تفوق بتقدير جيد جدًا مرتفع، وعُينت بها ضمن المتفوقات من أقرانها في التعليم الأزهري، وظلت بعدها تتحمل مسؤولية شقيقتها الصغرى حتى تمكنت من تجهيزها وتزويجها، لكن القدر عاد للعبوس في وجه الصغيرة التي انفصلت فيما بعد عن زوجها وهي أمًا لطفلها الوحيد ذو السنوات الصغيرة.

 

مدت الأخت الكبرى يد العون لشقيقتها منذ طلاقها، وراحت الثانية تعين شقيقتها على العمل بعد انتهاء اليوم الدراسي وعملها في الأزهر، في منوال يومي لأجل تحمل النفقات التي زادت منذ 4 سنوات حين انهار المنزل الذي كان يأويهم منذ وفاة الأب، حيث اقترضت مبلغًا كبيرًا من المال لأجل إعادة تشييد وإعمار البيت، وضاقت السبل عليها إلى الحد الذي لا تستطيع معه الحياة دون عملها مدرسة أزهرية صباحًا، وبائعة أسطوانات بوتاجاز هي وشقيقتها وقت المساء، ليجسدن قصة تستحق الاهتمام والعناية.

 

سردت الشقيقتان قصة كفاحهن لـ«بوابة أخبار اليوم»، قبل أن تشير إحداهن «صباح» إلى أن كل ما ترجوه أن ترى السعادة لشقيقتها الكبرى التي تحملت لأجلها، وأن يكرمها الله بزيارة بيته الحرام، وسيارة تكفيهم نظرة الناس لهن وهن على التروسيكل في قارعة الطريق.

«بنات اصول وكل الناس بتدعي لهم ربنا يكرمهم ويعينهم».. عبارة عفوية قالتها الحاجة زينب، جارة الشقيقتان، قبل أن ترفع يدها إلى السماء كأنها تزيد الدعاء وتؤمن عليه عسى أن يستجيب الله ويجعل الباقي من قصة الأختين يحتوي على نصيبًا من السرور والبهجة بعد عناءٍ كبير وظروفٍ قاسية.