صميم القضية

بيحبونا لما بيحتاجونا

محمود عمر
محمود عمر


لفتت نظرى جملة كتبت بخط عفوى على ظهر ميكروباص تجوب شوارع الفيوم «بيحبونا لما بيحتاجونا». للوهلة الأولى قد تبدو مجرد عبارة شعبية اعتدنا أن نقرأ مثلها على سيارات الأجرة، لكنها تحمل فى طياتها خلاصة واقع يعيشه الكثيرون فى صمت. فهى ليست مجرد كلمات، بل شهادة على علاقات إنسانية باتت -فى كثير من الأحيان- محكومة بالمصلحة لا بالمحبة.
فى حياتنا اليومية نصادف هذا المعنى فى صور متعددة؛ صديق لا يتذكر رقم هاتفك إلا حين يطلب خدمة، قريب لا يطرق بابك إلا وقت الحاجة، زميل يتودد فقط إذا كان بانتظار دعم أو توصية. لحظتها نكتشف أن المحبة عند البعض لا تتجاوز حدود المنفعة، وأن الاهتمام المؤقت يذوب بمجرد انقضاء المصلحة، كأنما القلوب تحولت إلى مفاتيح تشغيل لا تعمل إلا بضغط الحاجة.
المؤلم فى هذه الحقيقة أنها لم تعد استثناء، بل صارت قاعدة يتعامل معها الناس وكأنها طبيعية. مواقع التواصل الاجتماعى زادت الطين بلة؛ فكم من تهنئة باردة تصلنا فى المناسبات وكأنها بطاقة حضور شكلية، وكم من صداقات افتراضية تكشف عن وجهها الحقيقى عند أول اختبار حقيقى!
لكن الجملة ذاتها «بيحبونا لما بيحتاجونا» تحمل أيضا دعوة خفية للتمرد على هذا النمط. فهى تذكرنا بقيمة الحب الخالص الذى لا يقاس بالطلبات، وبأهمية العلاقات التى تقوم على الود والرحمة لا على حسابات المكسب والخسارة. إننا بحاجة إلى إعادة تعريف الصداقة وذوى القربى، وأن نعيد لقلوبنا بساطتها الأولى؛ محبة لوجه الله، لا لوجه المصلحة.
ربما لم يقصد صاحب الميكروباص أن يبعث برسالة فلسفية، وربما كتبها بدافع ضيق شخصى، لكن كلماته تجاوزت ظهر سيارته لتصير مرآة لزمن كامل. إنها صفعة وجرس إنذار معًا: إذا أردنا أن نحيا حياة إنسانية حقيقية، فلنكن نحن أول من يلغى شرط «الحاجة» من معادلة الحب، ونحب الآخرين لأن قلوبنا تختارهم… لا لأن مصالحنا تستدعيهم.