الأمم المتحدة.. منظمة تعـانى من أمراض الشيخوخة |قراءة فى أعمال الدورة.. اختبار مصيرى بين الإصلاح وضغط الأزمات

الدورة الثمانين للجمعية العامة تحمل فى طياتها رمزية خاصة
الدورة الثمانين للجمعية العامة تحمل فى طياتها رمزية خاصة


> مروى حسن - رضوى شاهبور - محمد الزهيري - ياسمين السيد - إبراهيم مصطفى - سميحة شتا

بحوالى عشرة آلاف قرار تبدأ الجمعية العامة للأمم المتحدة اجتماعات دورتها الثمانين لأعمالها غدا حيث تصل إلى عام تأسيسها أكتوبر القادم حيث تجسد الفعاليات الأخيرة أحد أبرز أزماتها فقد أشهرت أمريكا (الكارت الأحمر) الشهير (بالفيتو) بعد أن وقفت  وحيدة فى مواجهة ١٥ دولة هم أعضاء مجلس الأمن لتمنع إصدار قرار بوقف إطلاق النار فى قطاع غزة وهى أحد توابع أزمة الصراع العربى الإسرائيلى لم يتوقف الأمر عند هذا الحد فقد منعت السلطات الأمريكية منح تأشيرات دخول للوفد الفلسطينى فى تعسف واضح وغير مسبوق مما منعه من المشاركة واضطرت الدول الأعضاء إلى التصويت بالأغلبية للسماح للرئيس الفلسطينى محمود عباس بإلقاء كلمته عبر الفيديو كونفراس على عكس ما تم منذ عقود عندما انتقلت وفود الدول الأعضاء إلى جنيف فى ديسمبر عام ١٩٨٨ للاستماع إلى كلمة الزعيم الفلسطينى الراحل ياسر عرفات بعد قيام واشنطن بنفس الفعل.  

الحديث عن ثمانين عاما من عمل المنظمة الأمم المتحدة يطول ويطول ويتشعب وهذا ما دفعنا إلى البحث عن جدول أعمال الدورة الحالية لنتوقف عند مساعى تمرير حل الدولتين من خلال القمة التى ستنعقد برئاسة سعودية فرنسية لمزيد من الاعتراف بدولة فلسطين وقد كشف الرئيس ماكرون عن وجود عشر  دول جاهزة لذلك على هامش المؤتمر.. مع التقييم السريع لبعض جوانب عمل المنظمة الدولية الأم سنجد أن التقرير السنوى لعام ٢٠٢٥ لمؤشر السلام فى العالم يكشف عن وجود ٥٩ نزاعا دوليا فى مؤشر لعدم قدرتها فى تحقيق الهدف الأساسى من وجودها وهو تحقيق السلام فى العالم وقد يعود فشل المنظمة فى بعض جوانبها إلى عدم قدرة الدول الأعضاء فى إحداث إصلاح فى عملها وفى القلب منه إعادة النظر فى توسيع أعضاء مجلس الأمن والبحث فى مسألة الفيتو يضاف إلى ذلك أن إسرائيل بدعم غربى وفى القلب منه أمريكى تحولت إلى دولة فوق القانون الدولى عصية على العقاب لا تهتم بالمنظمة ولا تحترم قراراتها. وإلى مزيد من التفاصيل..


تستعد الأمم المتحدة اليوم لفتح أبوابها على مصراعيها أمام وفود العالم فى الدورة الثمانين للجمعية العامة، وهى دورة تحمل فى طياتها رمزية خاصة إذ تتزامن مع مرور ثمانية عقود على إنشاء المنظمة الدولية، وتأتى فى وقت تتكاثر فيه التحديات ويشتد فيه الصراع بين القوى الكبرى على إعادة صياغة النظام العالمي. واللافت أن الأجواء المرافقة لانعقاد هذه الدورة لا تقل أهمية عن جدول أعمالها، فهى تجرى وسط حرب مدمرة فى غزة، وأخرى ممتدة فى أوكرانيا، وانقسامات حادة داخل مجلس الأمن، وأزمات مناخية واقتصادية وصحية متشابكة تدفع الكثيرين للتساؤل عمّا إذا كانت الأمم المتحدة قادرة بعد ثمانين عامًا من قيامها على تجديد نفسها وإثبات دورها.

على مستوى الملفات الساخنة، ستكون غزة حاضرًا رئيسيًا فى النقاشات، خصوصًا مع تعثر محاولات وقف إطلاق النار وتفاقم الأزمة الإنسانية. كلمات القادة العرب ستسعى لوضع القضية الفلسطينية فى صدارة الاهتمامات، بينما ستبقى العيون مفتوحة على موقف الإدارة الأمريكية بعد التباين الواضح فى مواقفها الداخلية والخارجية. أما روسيا وأوكرانيا، فستواصلان حرب الخطابات على منصة الأمم المتحدة، حيث يسعى كل طرف إلى استقطاب أكبر دعم ممكن وتقديم روايته للحرب. ومن المتوقع أن تكون هذه السجالات انعكاسًا لصعوبة التوصل إلى حلول سياسية فى المدى المنظور.

قضية المناخ لن تغيب عن الأجندة، إذ ستعقد قمة خاصة على هامش الدورة لمناقشة التزامات الدول قبل مؤتمر الأطراف المقبل، مع تزايد الضغوط على الاقتصادات الكبرى لتقديم تعهدات ملموسة فى التمويل والحد من الانبعاثات.

البُعد التكنولوجى سيكون من أبرز مفاجآت هذه الدورة، إذ يشهد العالم للمرة الأولى جلسة رفيعة المستوى لمناقشة حوكمة الذكاء الاصطناعي، وهو موضوع بات يتجاوز حدود الابتكار العلمى ليطرح أسئلة أخلاقية وقانونية وأمنية. 

وفى موازاة هذه الملفات، تستعيد الدورة ذكرى مرور ثلاثين عامًا على مؤتمر بكين لحقوق المرأة، حيث يتوقع أن تشهد خطابات عديدة عن المساواة وتمكين النساء، لكن التحدى يكمن فى تحويل هذه الذكرى إلى التزامات عملية وليس مجرد احتفالية خطابية. كما ستُطرح قضايا التنمية المستدامة ضمن مراجعة شاملة لما تحقق وما تعثر من أهداف أجندة 2030، وسط إدراك متزايد بأن العالم يسير بوتيرة أبطأ من المطلوب لتحقيق هذه الأهداف.

القراءة الأولية لأعمال الدورة الثمانين تكشف عن محاور رئيسية ستهيمن على النقاشات، أبرزها الأمن والسلم الدوليان، إذ من المتوقع أن تشهد القاعة كلمات متتابعة حول الحرب فى غزة وما خلّفته من كارثة إنسانية غير مسبوقة، فى ظل دعوات عربية وإسلامية إلى تحرك عاجل لوقف القتال وتأمين المساعدات، يقابلها تباين فى مواقف القوى الكبرى بين داعم ومتحفظ. كما ستأخذ الحرب فى أوكرانيا مساحة لا تقل أهمية، حيث تسعى كل من موسكو وكييف إلى تسويق روايتها واستقطاب أكبر قدر من التعاطف الدولي، ما يجعل منصة الجمعية العامة مرآة لصراع أوسع يتجاوز حدود أوروبا.

كما ستعيد الجمعية العامة تسليط الضوء على قضايا حقوق الإنسان والمساواة بين الجنسين، بمناسبة مرور ثلاثين عامًا على مؤتمر بكين، وهو ما يمنح الدورة بُعدًا رمزيًا إضافيًا. وبذلك، تبدو أعمال الدورة الثمانين بمثابة اختبار شامل للأمم المتحدة: هل تستطيع تحويل تعددية النقاشات إلى قرارات فعلية، أم تبقى مجرد منصة خطب تُعكس فيها الانقسامات أكثر مما تُبنى عليها الحلول؟

الدورة الثمانون، إذن، لا تبدو مجرد جلسة اعتيادية لإلقاء الخطب وتبادل الرسائل، بل أقرب إلى اختبار مصيرى لمكانة الأمم المتحدة نفسها.

فإما أن تنجح فى تقديم صورة متجددة قادرة على التكيف مع عالم تتغير موازينه بسرعة، أو تواصل الغرق فى رتابة البروتوكول والخطابات الإنشائية التى لم تعد تقنع الشعوب ولا حتى بعض الحكومات.

اقرأ أيضًا | «القاهرة الإخبارية»: نزوح سكان غزة مأساة متجددة تحت القصف الإسرائيلي


مجلس الأمن.. إصلاح مؤجل يلاحقه «الفيتو»


بعد ثمانين عامًا على تأسيس الأمم المتحدة، يعود ملف إصلاح مجلس الأمن إلى صدارة النقاش الدولى كأحد أعقد الملفات العالقة فى النظام متعدد الأطراف، وفكرة الإصلاح لم تولد حديثًا، بل بدأت عام ١٩٧٨ حين أنشئت لجنة مفتوحة العضوية، قبل أن تتطور إلى الآلية الحالية للمفاوضات الحكومية الدولية «IGN» عام ٢٠٠٨.

فالعالم تغير جذريًا منذ عام ١٩٤٥ إذ ارتفع عدد الأعضاء إلى ١٩٣ دولة، بينما بقى المجلس فى تركيبته القديمة التى تمنح خمسة أعضاء دائمين حق النقض المطلق وتتيح لعشرة فقط مقاعد منتخبة لفترات قصيرة، ويثير هذا الخلل البنيوى تساؤلات حول عدالة التمثيل وقدرة المجلس على معالجة أخطر النزاعات.

ومنذ عام ٢٠٠٨ تحتضن الجمعية العامة المفاوضات الحكومية الدولية، لكنها لم تنجح فى تجاوز الحواجز السياسية والقانونية، فالمادة ١٠٨ من الميثاق تجعل أى تعديل مرهوناً بموافقة ثلثى الأعضاء، بما فى ذلك الدول الخمس الدائمة نفسها، وهو ما يفسر تعثر كل محاولة جدية، حيث كان آخر تغيير هيكلى يعود إلى عام ١٩٦٥ حين تم زيادة عدد المقاعد من ١١ إلى ١٥ أما اليوم فكل المقترحات تصطدم إما بحق النقض أو بشرط «أوسع قدر ممكن من التوافق العام بين الدول الأعضاء» الذى أقرته الجمعية العامة عام ١٩٩٨.

وفى هذا السياق، يكشف السفير طارق البناي، المندوب الدائم للكويت لدى الأمم المتحدة ورئيس المفاوضات الحكومية الدولية حول إصلاح المجلس، أن الإصلاح ليس مجرد خيار بل «أمر حتمى وإن استغرق وقتاً طويلًا»، مؤكدًا أن جميع الدول تعترف بضرورة التغيير، وإن اختلفت حول كيفية تنفيذه وسرعته، مشيرا إلى أن غياب التمثيل العادل لمناطق مثل أفريقيا والعالم العربى يجعل أى توسعة لا تتضمن مقعدًا عربيًا وإفريقيًا دائمًا غير مقبولة من وجهة نظر الغالبية.

ويرى البناي، أن استمرار حرمان العرب من مقعد دائم يتناقض مع حقيقة أن القضايا العربية والأفريقية تشكل ما يقارب ٧٠% من جدول أعمال مجلس الأمن، مشددا على أن أى إصلاح عادل لا بد أن يتضمن تمثيلًا دائمًا للعالم العربي، وإلا فقد يفقد المجلس ما تبقى من شرعيته لدى شعوب المنطقة.


ومع اقتراب الأمم المتحدة من عقدها التاسع، تتوزع المواقف الدولية على كتل واضحة، مجموعة G4 التى تضم الهند والبرازيل وألمانيا واليابان تدفع لتوسيع المجلس بمقاعد دائمة جديدة تشملها، فيما يطالب الاتحاد الإفريقى بمقعدين دائمين كاملى الحقوق وخمسة غير دائمين إضافيين، وفى المقابل، تتمسك مجموعة «متحدون من أجل الإجماع»، برفض أى توسع فى العضوية الدائمة وتطرح بديلاً يقوم على فترات أطول من العضوية غير الدائمة، أما مجموعة L.69 من الدول النامية فتسعى إلى توسيع مزدوج يشمل الفئتين، بهدف تصحيح التمثيل الإقليمى غير العادل.


وتبقى المعضلة الحقيقية فى استخدام الفيتو، الذى تحول إلى أداة شلل أكثر من كونه ضمانة للتوازن، فقد أسقطت روسيا قرارا يدين غزو أوكرانيا عام ٢٠٢٢ فيما منعت الولايات المتحدة قبول عضوية فلسطين عام ٢٠٢٤ وأجهضت موسكو وبكين على مدى سنوات أى تحرك جاد بشأن سوريا، هذه الأمثلة أضعفت شرعية المجلس وأكدت حاجة ماسة لإصلاح آلياته، لأن تركيبة المجلس لم تعد تعكس موازين القوى الراهنة.

المجتمع الدولى لم يقف مكتوف الأيدى أمام هذا الانسداد، حيث اعتمدت الجمعية العامة عام ٢٠٢٢ مبادرة ليختنشتاين التى تفرض مناقشة علنية لأى استخدام للفيتو، فيما أطلقت فرنسا والمكسيك مبادرة تدعو إلى تعليق النقض فى حالات الفظائع الجماعية.

وفى جلستها العامة بتاريخ ٢٧ أغسطس ٢٠٢٤ أعادت الجمعية العامة تأكيد دورها المحورى فى مسألة إصلاح المجلس، ورحبت بالزخم الجديد الذى وفره «ميثاق المستقبل»، كما قررت أن تستمر المفاوضات الحكومية الدولية فى دورتها التاسعة والسبعين، استنادًا إلى «ورقة العناصر المنقحة» التى عممت فى أغسطس ٢٠٢٤ والحوارات المنظمة بين المجموعات والدول الأعضاء.

ويعد «ميثاق المستقبل» الوثيقة السياسية الرئيسة التى خرجت بها قمة المستقبل للأمم المتحدة فى سبتمبر ٢٠٢٤ حيث اعتمدها قادة العالم كخطة عمل للعقود المقبلة، وركز الميثاق على قضايا السلام والأمن، التنمية المستدامة، التحول الرقمي، وحقوق الإنسان، لكنه أولى إصلاح مجلس الأمن موقعًا خاصًا، مؤكدًا أن المجلس بحاجة إلى أن يكون أكثر تمثيلًا وشفافية.


وأوضح السفير الكويتى طارق البناى أن «ميثاق المستقبل» تضمن ثلاثة إجراءات رئيسية لدفع مسار الإصلاح هى معالجة مسألة التمثيل غير العادل من خلال تحسين تمثيل المناطق والمجموعات المهمشة مثل آسيا والمحيط الهادئ وأمريكا اللاتينية والكاريبي، مع تكثيف الجهود للتوصل إلى اتفاق بشأن فئات العضوية، بالإضافة إلى تشجيع الدول الأعضاء على تقديم نماذج إضافية للإصلاح بهدف تطوير صيغة موحدة يمكن التوافق حولها مستقبلاً، بجانب تبنى تدابير مؤقتة ملموسة لتعزيز قدرة المجلس على صون السلم والأمن، بما فى ذلك الالتزام الكامل بالمادة ٢٧ الفقرة ٣ من ميثاق الأمم المتحدة المتعلقة بآليات إتخاذ القرار، التى تطلب من الدولة الطرف فى نزاع ما أن تمتنع عن التصويت على القرارات المتعلقة بذلك النزاع، غير أن هذه الأداة نادرا ما تستخدم.

ومع إحياء الذكرى الثمانين، يبدو الإصلاح الشامل للمجلس هدفا مؤجلا أكثر من أى وقت مضى، فالقانون يمنح عمليا حق النقض للدول الخمس على أى تغيير يمس امتيازاتها، والسياسة تفرض توافقا واسعاً يكاد يكون مستحيلاً فى ظل انقسام النماذج، ومع ذلك، يلوح فى الأفق خيار واقعى يتمثل فى «حزمة وسط» وهى مقاعد إضافية لإفريقيا من دون توسيع للفيتو، فترات أطول من العضوية غير الدائمة، وتعليق طوعى للنقض فى الجرائم الكبرى، إلى جانب تعزيز أساليب العمل.


ثمانون عاماً كانت كافية لتكشف أن المجلس الذى صيغ ليحمى السلم والأمن الدوليين بات بحاجة هو نفسه إلى إنقاذ، وإذا لم يتحقق الإصلاح قريبا، فقد يجد العالم أن أحد أعمدة النظام الدولى الذى نشأ بعد الحرب العالمية الثانية لم يعد صالحاً لزمن تتغير فيه موازين القوى بسرعة أكبر من قدرة المجلس على التكيف.



المنظمة الدولــية.. قـرارات تنقصها الفعالية 

منذ تأسيسها فى عام 1945 فى أعقاب الحرب العالمية الثانية، برزت الأمم المتحدة كأهم منظمة دولية متعددة الأطراف تهدف إلى حفظ السلم والأمن الدوليين وتعزيز حقوق الإنسان ودعم التنمية المستدامة وإيجاد حلول للنزاعات وظلت تعمل تحت شعار «السلام.. والكرامة.. والمساواة.. على كوكب صحي»، وقد نجحت المنظمة فى إصدار آلاف القرارات عبر أجهزتها المختلفة ولا سيما الجمعية العامة ومجلس الأمن.

إلا أن الإشكالية الكبرى التى تواجه الأمم المتحدة منذ نشأتها تتمثل فى الفجوة بين إصدار القرارات وبين آليات تنفيذها، فالكثير من القرارات تبقى حبيسة ولا ترقى لأن يتم تنفيذها، وذلك إما بسبب غياب الإرادة السياسية، أو بسبب تضارب المصالح بين القوى الكبرى، أو أيضا ضعف الأدوات التنفيذية المتاحة للمنظمة.

وهناك عشرات الأمثلة على ضعف قرارات الأمم المتحدة منها الحكم الصادر فى نوفمبر من عام ٢٠٢٤ حينما أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرات اعتقال بحق رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو ووزير دفاعها السابق يوآف جالانت وقائد فى حركة حماس بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، وهو ما لم يتم تنفيذه وكأن لم يكن، كما صدرت أيضا عشرات القرارات عن الأمم المتحدة تؤكد حق الشعب الفلسطينى فى تقرير مصيره، وتدين الاستيطان الإسرائيلى وتطالب بوقف العدوان، إلا أن معظمها بقى دون تنفيذ فعلى بسبب الفيتو الأمريكى المتكرر، ليبقى الشعب الفلسطينى الأعزل يعانى لعشرات السنين من الظلم والإبادة والمجازر الصهيونية تحت أعين ومرأى المجتمع الدولى الصامت.

وفى عام ١٩٩٤ فى رواندا فشل مجلس الأمن فى التدخل السريع لوقف الإبادة الجماعية، رغم وضوح حجم الكارثة الإنسانية، وفى عام ٢٠٠٣ قامت الولايات المتحدة الأمريكية بغزو العراق بدون تفويض صريح من مجلس الأمن، مما كشف ضعف المنظمة أمام قوة دولة كبرى، وفيما يتعلق بالحرب المستمرة فى أوكرانيا منذ أعوام انقسم المجلس بشدة وعُطلت القرارات بفيتو روسى متكرر، فيما اكتفت الجمعية العامة بقرارات رمزية.


فى نهاية الأمر، فقد تأسست الأمم المتحدة للدفاع عن مبادئ السلم والعدل وحقوق الإنسان، إلا أن قراراتها كثيرًا ما تتعثر فى مواجهة صراعات القوى الكبرى الشخصية مما يجعلها فى الكثير من الأوقات عاجزة أو بلا أنياب، لكن فى الوقت نفسه لا يمكن إغفال دورها فى تحقيق العديد من الانجازات الملموسة فى بعض المجالات الإنسانية والتنموية، لكنها فى نهاية الأمر تظل أمام تحد كبير لإيجاد آلية فعالة لجعل قراراتها إلزامية حتى لا تبقى مجرد منصة لإلقاء الخطابات الرنانة، بل تصبح بالفعل أداة فاعلة لصناعة السلام العالمي.



البحث عن السلام المفـقود.. 59 صراعًا مسلحًا تكشف تدهورًا غير مسبوق

فى تقريره السنوى لعام 2025، يكشف مؤشر السلام العالمى عن تدهور عام فى السلام. ويرصد المؤشر، الصادر عن معهد الاقتصاد والسلام، الاتجاهات العالمية فى مستويات السلم والصراع حول العالم. ويكشف عن تسجيل ما يقرب من 59 نزاعًا نشطًا بين دول أو داخلها، وهو أعلى رقم يتم رصده منذ سنوات طويلة. ولا يقتصر التقرير على النزاعات الكبرى المعروفة، بل يشمل أيضًا صراعات داخلية مسلحة، تمرُّدات، وحروبًا أهلية تتفاوت فى الحدة والانتشار، ما يسلط الضوء على هشاشة النظام العالمى وفشل العديد من الدول فى احتواء مسببات العنف.

من بين هذه الدول، تبرز اليمن كواحدة من أكثر البلدان تضررًا، حيث تتواصل حالة الحرب الأهلية منذ سنوات بين الحكومة المعترف بها دوليًا وجماعة الحوثى، وسط أزمة إنسانية هى الأسوأ عالميًا. كما تشتبك اليمن مع إسرائيل فى جبهة صراع مفتوحة على خلفية الحرب الجارية فى منطقة الشرق الأوسط. والتقرير يدرج أيضًا إسرائيل ضمن الدول التى شهدت تدهورًا كبيرًا فى مؤشر السلام، نتيجة تصاعد العمليات العسكرية الوحشية فى قطاع غزة والضفة الغربية، وارتفاع عدد الضحايا المدنيين، فى ظل فشل الجهود السياسية فى التوصل إلى تسوية عادلة للنزاع المستمر منذ عقود.  كما إن سوريا لا تزال فى قلب النزاع، حيث لم تُنهِ سنوات الحرب الأهلية حالة الانقسام والتدخل الأجنبى وأحدثه الإسرائيلى، وسط استمرار المعاناة الإنسانية والانهيار الخدمى فى معظم مناطقها. أما السودان فيشهد تصعيدًا داميًا منذ اندلاع القتال بين الجيش وقوات الدعم السريع المتمردة، مما تسبب فى دمار واسع ونزوح جماعى. وجنوب السودان، رغم توقيع اتفاقات سلام سابقة، لا يزال غارقًا فى صراعات قبلية وأزمات سياسية تعرقل الاستقرار. فيما يشهد إقليم دارفور فى السودان نمطًا مشابهًا من الانهيار الأمنى، وإن كان لأسباب مختلفة.

ويشمل مؤشر السلام العالمى أيضًا دولًا مثل لبنان وليبيا، حيث تُصنّف كلتاهما ضمن الدول ذات مستويات السلام المنخفضة، ما يعكس استمرار الأزمات السياسية والأمنية فيهما. فقد جاء لبنان فى المرتبة 136 عالميًا لعام 2025، ضمن الدول ذات «السلام المنخفض»، نتيجة الأزمات المتراكمة التى يشهدها منذ سنوات، من الانهيار الاقتصادى، والتوترات الطائفية، إلى الفشل المستمر فى تشكيل حكومة مستقرة، إضافة إلى الاشتباكات المتفرقة وغياب الثقة بمؤسسات الدولة. أما ليبيا، التى تعانى من انقسام سياسى حاد بين حكومتين متنازعتين فى الشرق والغرب، فما تزال مسرحًا لصراع داخلى مسلح بين الميليشيات المتنافسة، وسط تدخلات خارجية وانعدام تام للاستقرار الأمنى. استمرار هذه الأوضاع يجعل كلا البلدين ضمن قائمة الدول المتأثرة بالنزاعات المعترف بها فى المؤشر، رغم تفاوت شدة الصراع بينهما وبين دول أخرى تشهد حروبًا واسعة النطاق.

مالى كذلك تواجه صراعًا طويل الأمد مع الجماعات الجهادية فى الشمال، فى ظل هشاشة حكومية وانقلابات متكررة أعاقت أى مسار سلمى مستقر. كما جمهورية الكونغو الديمقراطية تعانى من صراع مزمن فى شرق البلاد بين الجيش وجماعات مسلحة مثل M23، مدفوعًا بخلافات على الموارد والتوازنات العرقية.

وفى أفغانستان، ورغم انسحاب القوات الأجنبية، فإن العنف لم يتوقف، إذ تواجه البلاد تهديدات أمنية داخلية من جماعات متشددة، فضلًا عن التدهور الاقتصادى الحاد.

من ناحية أخرى، فإن أوكرانيا باتت من أبرز بؤر النزاع العالمى بعد اندلاع الحرب مع روسيا عام 2022، حيث تستمر العمليات العسكرية فى مناطق واسعة، ما خلف آلاف الضحايا ودمارًا هائلًا فى البنية التحتية، وتسبّب فى أسوأ أزمة لاجئين فى أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية. وروسيا نفسها أصبحت جزءًا من هذه الديناميكية، ليس فقط بسبب تورطها فى الحرب، ولكن أيضًا بفعل تصاعد الإجراءات الأمنية الداخلية، وزيادة التوترات مع الغرب.

وتضاف إلى القائمة دول أخرى تشهد صراعات أقل تغطية إعلامية لكنها لا تقل خطورة، منها إثيوبيا بسبب النزاع فى إقليم تيغراى، وميانمار حيث الانقلاب العسكرى أدى إلى مواجهات مسلحة مع المعارضة، ونيجيريا التى تواجه تهديدات من جماعة بوكو حرام وجماعات مسلحة فى دلتا النيجر، والكاميرون التى لم تنجح بعد فى احتواء النزاع الانفصالى فى الجنوب الغربى.

ويؤكد التقرير أن مقياس النزاع لا يُحتسب فقط بعدد الضحايا أو مدى تغطية الصراع إعلاميًا، بل أيضًا وفق مؤشرات تشمل تدهور مؤسسات الدولة، صعوبة الوصول إلى العدالة، انتشار التهديدات الأمنية، وتراجع الحريات المدنية.



قطار الاعتراف بفلسطين يصل نيويورك

فى أكبر تحرك دولى منسق لدعم القضية الفلسطينية، تستضيف نيويورك غداً مؤتمر دعم حل الدولتين، الذى من المنتظر أن يشهد اعتراف دول غربية كبرى مثل فرنسا وبريطانيا وكندا وأستراليا بالدولة الفلسطينية، وذلك قبل يوم من بدء الشق رفيع المستوى من الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة. ووفقًا للرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون فإن عدد هذه الدول سيصل إلى ١٠ دول. 

«المؤتمر الدولى لتسوية قضية فلسطين بالوسائل السلمية وتنفيذ حل الدولتين»، الذى يعقد برعاية أممية؛ يكتسب أهمية خاصة مع تصاعد العمليات العسكرية الإسرائيلية فى قطاع غزة، وممارسات التجويع والإبادة اليومية ما أسفر عن أكثر من 65 ألف شهيد حتى الآن منذ اندلاع الحرب قبل أقل من عامين.

ويعد المؤتمر نتاج جهد دبلوماسى دولى بقيادة مشتركة من فرنسا والمملكة العربية السعودية، بدأ منذ زيارة الرئيس إيمانويل ماكرون إلى الرياض فى ديسمبر 2024، حين أعلن إطلاق ولى العهد السعودى الأمير محمد بن سلمان مبادرة مشتركة مع الرئيس الفرنسى لتنفيذ حل الدولتين، وانطلقت بعد ذلك لجان عمل شاركت فيها العديد من الدول والمنظمات الدولية على رأسها مصر وجامعة الدول العربية والاتحاد الأوروبي.

وتبلورت المبادرة فى اجتماع وزارى بنيويورك فى يوليو الماضى خرجت بإعلان 15 دولة غربية عزمها الاعتراف رسمياً بدولة فلسطين، ثم تصويت الجمعية العامة للأمم المتحدة بأغلبية 142 صوتاً لصالح مشروع قرار يدعو إلى إقامة الدولة الفلسطينية.

وبينما تعارض إسرائيل والولايات المتحدة أى خطوات لتوسيع دائرة الاعتراف بفلسطين، ترى باريس أن الاعتراف بدولة فلسطين هو رسالة واضحة بأن العمليات العسكرية الإسرائيلية لن تلغى حل الدولتين.

وبحسب مصدر رفيع المستوى فى الرئاسة الفرنسية تحدث لـ«الأخبار»، فإن موقف فرنسا يرتكز على أن حل الدولتين هو ما سيجلب السلام والأمن لجميع شعوب المنطقة، ويستجيب للتطلعات الشرعية للشعب الفلسطينى فى إقامة دولته، وكذلك للتطلعات الشرعية لإسرائيل فى الحصول على الأمن، مؤكداً أن وقف الحرب فى قطاع غزة ما لا يمكن أن يكون مستدامًا، إلا على أساس أفق سياسى يقوم على حل الدولتين.

وبالإضافة إلى إعلان ماكرون المرتقب اعتراف باريس بدولة فلسطين خلال كلمته الافتتاحية للمؤتمر، فمن المنتظر أيضاً أن تعلن بريطانيا اعترافها، وبذلك تكون جميع الدول دائمة العضوية بمجلس الأمن قد اعترفت بالدولة الفلسطينية، باستثناء الولايات المتحدة.

كما أن انضمام كندا لقطار الاعتراف يوسع دائرة داعمى فلسطين فى مجموعة السبع. وعلى صعيد الاتحاد الأوروبي، من المقرر أن تعلن مالطا وبلجيكا والبرتغال ولوكسمبورج الاعتراف بفلسطين.

وحول التشكيك فى جدوى الخطوة، أكد المصدر الفرنسى أن مؤتمر حل الدولتين سيخلق ضغطاً دولياً ويرسل لإسرائيل وأمريكا رسالة واضحة بدعم العالم لحل الدولتين، وأن الحلول العسكرية ليست مستدامة ولا تخدم أمن المنطقة ولا مصلحة الشعب الإسرائيلى ذاته، بما يساهم فى إنهاء الحرب فى غزة.

من جانبها، عملت واشنطن على إجهاض المؤتمر من خلال منع الرئيس الفلسطينى محمود عباس من السفر إلى نيويورك، حيث ستقتصر مشاركته على كلمة يلقيها عبر الفيديو خلال افتتاح المؤتمر، كما أعلن وزير الخارجية الأمريكى ماركو روبيو أن واشنطن حذرت الدول من الاعتراف بفلسطين، فيما هدد وزير الخارجية الإسرائيلى جدعون ساعر بفرض السيادة على الضفة الغربية المحتلة، إذا تم الاعتراف الدولى الموسع بالدولة الفلسطينية.

الرئيس الفلسطينى محمود عباس حرص على حشد أكبر قدر من الدعم الدولى منذ الإعلان عن المؤتمر، من خلال رسالة بعثها إلى الرئيس الفرنسى وولى العهد السعودى يتعهد فيها بإصلاح السلطة الفلسطينية وإجراء انتخابات العام المقبل، وذلك لقطع الطريق على أى انتقادات دولية فى هذا الشأن.

وتعترف حالياً بفلسطين 147 دولة من إجمالى 193 دولة عضو فى الأمم المتحدة. وبعد شن إسرائيل الحرب على غزة اعترفت 10 دول بالدولة الفلسطينية أبرزها إسبانيا وسلوفينيا والنرويج وأيرلندا، ومن المنتظر أن يزداد ذلك العدد خلال مؤتمر نيويورك.



إسرائيل.. دولة فوق القانون بدعم غربى

منذ عقود طويلة تواصل إسرائيل انتهاج سياساتٍ تتعارض مع القانون الدولي، بدءًا من الاستيطان ومصادرة الأراضي، مرورًا بالحروب المتكررة على قطاع غزة، وصولاً إلى الاعتداءات المستمرة فى الضفة الغربية والقدس، وكل ذلك دون أن تواجه عقابًا فعليًا من المجتمع الدولي، وقد عززت هذه الحصانة شعورًا راسخًا بأن إسرائيل دولة «فوق المحاسبة»، مستفيدةً من دعم حلفاء دوليين نافذين يوفرون لها الغطاء السياسى والدبلوماسي، وعلى رأسهم الولايات المتحدة، ويظهر هذا الدعم بوضوح فى مجلس الأمن، حيث يُستخدم حق النقض (الفيتو) بشكل متكرر لإجهاض مشاريع القرارات التى تدين إسرائيل أو تسعى إلى فرض عقوبات عليها.

هذا النظام لم ينشأ بمعزل عن التاريخ، بل ارتبط منذ تأسيسه بعمليات التطهير العرقى التى مورست بحق الشعب الفلسطينى عام 1948، وما تبعها من تهجير قسرى ومصادرة أراضٍ واسعة، ورغم كثرة التقارير الحقوقية التى أدانت الاحتلال، مثل تقرير «تجاوزا الحد» الصادر عن هيومن رايتس ووتش، فإن إسرائيل ما زالت بمنأى عن أى مساءلة دولية حقيقية.

فى المقابل، تتعاظم الأصوات الحقوقية والشعبية المطالِبة بمحاسبة إسرائيل، سواء عبر المحكمة الجنائية الدولية أو من خلال فرض عقوبات اقتصادية وسياسية شبيهة بتلك التى فُرضت على أنظمة أخرى انتهكت القانون الدولي، لكن استمرار الانقسام الدولى حول كيفية التعامل مع إسرائيل، إلى جانب خشية بعض الدول من التداعيات السياسية والاقتصادية، يحولان دون اتخاذ خطوات عملية.

ويكشف هذا المشهد عن ازدواجية صارخة فى المعايير؛ ففى حين سارعت القوى الغربية إلى فرض عقوبات على روسيا بعد حربها فى أوكرانيا، لم يُسجَّل التحرك نفسه تجاه المجازر فى غزة أو سياسات الضم والاستيطان الإسرائيلية، وتكتفى الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبى ببيانات تعبر عن «القلق» أو تدعو إلى «ضبط النفس»، بينما يواصلان تقديم المساعدات العسكرية والاقتصادية لإسرائيل دون انقطاع.

إن استمرار إسرائيل فى تحدى قرارات المجتمع الدولى يضع النظام الدولى أمام مأزق خطير؛ فالإصرار على استثناء إسرائيل من المحاسبة يقوّض مبدأ المساواة أمام القانون الدولي، ويعزز الانطباع بأن العدالة تخضع لموازين القوى لا للشرعية الدولية، ويرى محللون أن هذا الوضع يهدد بفقدان الثقة فى المؤسسات الدولية، ويفتح المجال أمام دول أخرى لاتباع النهج نفسه.

انضمت إسرائيل إلى الأمم المتحدة فى 11 مايو 1949 بشروط واضحة نصّت على الالتزام بقرارى الجمعية العامة 181 و194، ورغم إخلالها بتلك الالتزامات، ما زالت تحتفظ بعضوية كاملة، فى حين لم تنل فلسطين  التى تعيش تحت الاحتلال  سوى صفة عضو مراقب، وفى كل مرة سعت فلسطين إلى الحصول على العضوية الكاملة، واجهت محاولاتها تهديدًا أمريكيًا باستخدام حق النقض (الفيتو)، ما يثير تساؤلات عميقة حول ضرورة إعادة النظر فى عضوية إسرائيل، وإلزامها بتطبيق قرارات الشرعية الدولية، خصوصًا تلك المتعلقة بعودة اللاجئين (القرار 194) والانسحاب من الأراضى المحتلة عام 1967 (القرار 242).

تشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن إسرائيل تُعد الدولة الأكثر تحديًا لقرارات الشرعية الدولية. ففى الفترة ما بين 2006 و2022، اعتمد مجلس حقوق الإنسان 99 قرارًا ضدها، فيما أصدرت الجمعية العامة 140 قرارًا خلال السنوات 20152022، من دون أن تلتزم إسرائيل بأى منها. كما استخدمت الولايات المتحدة وحدها حق النقض 53 مرة منذ عام 1972 لحمايتها، وحتى بعد تمرير قرار مجلس الأمن رقم 2334/2016، الذى أكد عدم شرعية الاستيطان، واصلت إسرائيل توسيع مستوطناتها بشكل استفزازي، فى خرق واضح للقانون الدولي.

ولم تقتصر الانتهاكات على الجانب الميدانى فقط، بل وصلت خطابات قادة الاحتلال إلى مستوى التحريض على الإبادة الجماعية، فقد وصف وزير الدفاع الإسرائيلى يوآف جالانت سكان غزة بأنهم «حيوانات بشرية»، بينما توعد بنيامين نتنياهو بتحويل القطاع إلى «جزيرة من الخراب»، وذهب الرئيس الإسرائيلى يتسحاق هرتسوج إلى اعتبار أن «الأمة الفلسطينية برمتها مسؤولة»، فى خطاب يُعَدّ تحريضًا مباشرًا على العقاب الجماعي. مثل هذه التصريحات تتعارض مع اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية، وتضع القادة الإسرائيليين تحت طائلة الملاحقة أمام المحكمة الجنائية الدولية.

ولا يمكن فصل هذا السلوك الإسرائيلى عن الدعم الغربى غير المحدود، وفى مقدمته الدعم الأمريكي. فقد شكّل الدعم العسكرى والمالى والسياسى مظلةً مكّنت إسرائيل من مواصلة احتلالها وتحديها للقانون الدولي. كما انخرطت دول أوروبية كبرى  مثل بريطانيا، فرنسا، ألمانيا، وإيطاليا  فى إصدار بيانات داعمة لإسرائيل، ما يجعلها شريكة بشكل مباشر أو غير مباشر فى الانتهاكات بحق الفلسطينيين.

ومنذ اندلاع الأحداث الأخيرة، ارتكبت إسرائيل مجازر واسعة النطاق استهدفت المدنيين، شملت المستشفيات ودور العبادة والصحفيين وموظفى الأمم المتحدة، وقد تجاوز عدد الشهداء 21٫500 معظمهم من النساء والأطفال، فيما قُطعت الاتصالات والمساعدات الإنسانية، فى مشهد وصفه كثيرون بأنه نكبة جديدة تُبث على الهواء مباشرة.

إن تراكم هذه العوامل  من العضوية المشروطة فى الأمم المتحدة، وتجاهل قرارات الشرعية الدولية، مرورًا بخطاب التحريض على الإبادة  يؤكد أن إسرائيل تمارس سياسات تجعلها دولة فوق القانون، لكن المسؤولية لا تقع على إسرائيل وحدها، بل تمتد أيضًا إلى القوى الغربية التى وفرت لها الغطاء السياسى والعسكري. واليوم، يقف المجتمع الدولى أمام اختبار أخلاقى وتاريخى حاسم: إما أن يتعامل بجدية مع هذه الانتهاكات، أو أن ينهار ما تبقى من مصداقية منظومة القانون الدولى وحقوق الإنسان.

إن تحول إسرائيل إلى دولة فوق القانون لا يضر بالفلسطينيين وحدهم، بل يهزّ مصداقية النظام الدولى بأسره، إذ يطرح تساؤلات خطيرة حول جدوى المواثيق الأممية إذا كان تطبيقها انتقائيًا، ويقوض ثقة الشعوب بالعدالة الدولية.

فإسرائيل اليوم تمثل المثال الأوضح على دولة تمارس الاحتلال والحصار والاستيطان والحروب من دون أى محاسبة حقيقية، واستمرار هذا الوضع لا يعنى فقط تفاقم معاناة الفلسطينيين، بل يهدد أيضًا بزيادة هشاشة النظام الدولى أمام اتهامات التسييس والانتقائية، ومع غياب الإرادة السياسية لكبح هذه السياسات، تبقى إسرائيل دولة فوق العقاب، محصّنة بغطاء دولى لا يتزعزع.