د. أحمد الصغير
فى ديوان «الحياة السرية للآباء»، دار الأدهم/ القاهرة، للشاعر صلاح فاروق (1968ــ 2025 العريش)، اتكأ فاروق فى ديوانه على سرد تفاصيل السعادة المفقودة فى الحياة التى تحتضن الكآبة والملل والألم، هذا الألم الذى تحدثت عنه الذات الشاعرة فى مناطق شعرية كثيرة داخل الحياة السرية للآباء، ولذلك ارتكزت الذات على سرد هذه الحيوات الكثيرة من خلال أحاديث الآباء السرية، فقد تتحقق السعادة فى الحياة من خلال الحكايات والحواديت القديمة التى احتفظت بها الذاكرة الإنسانية، أعنى ذاكرة الأسلاف الذين تحمَّلنا معهم أخطاءهم التى وقعوا فيها ومغامراتهم الليلية الحمراء، وها نحن الآن ندفع الثمن، وسنظل ندفع إلى الأبد.
على الرغم من المخاتلة النصية التى وردت فى عنوان الديوان (الحياة السرية للآباء) فإنها تشى بالكثير من الدلالات المفتوحة، لأن الحياة بحجمها الواسع الممتد تتسع لحيواتٍ أخرى غيرها مماثلة لها فى الوصف والكينونة، لكن اللجوء إلى تخصيص هذه الحياة بسريتها المجازية وخصوصيها المتعلقة بالآباء فقط لايخلو من دلالة فنية مهمة. مفادها أن مفردة الآباء هنا تعنى الكثير من الأفكار والموضوعات والأسئلة، على سبيل المثال( هل هم آباء الشعر؟ أم هم آباؤنا القدماء الذين عاشوا حياتهم يكابدون الألم والحزن؟) لاسيما أن جل هذه الدلالات تمنح النص الشعرى مساحاتٍ تأويلية واسعة يمكن للقارئ من خلالها أن يدخل إليها من أى مدخل يفضله أو يكون قريباً من عالمه الخاص به رغم اختلاف الأزمنة والأمكنة والعوالم.
جاء هذا الديوان الشعرى (الحياة السرية للآباء) محتفياً بصوت السعادة المفقودة فى واقعنا المعيش وتجلى ذلك من خلال حالاتٍ سردية طويلة تعتمد على مشهدية اللحظة والتقاطها ، ومن ثم فقد تُفصح هذه المشاهد الطويلة عن سرود أخرى قصيرة ومخاتلة ، وكأن الشاعر صلاح فاروق قام بعملية بتر كاملة لبعض نصوصه التى خرجت عن تفاصيل المشهد، فجاءت القصائد مرتكزة على آليات قصيدة النثر العربية التى لا أظنها شطحت كثيراً عما قدمته قصيدة النثر العالمية من مجانية للمعنى ولغة تشبه ملامح الذات المتكررة من خلال إيقاع داخلى يطابق الحالة التى ألمت بها، وجاءت كل هذه الأحداث رغبة فى نهاية العالم الذى يضن علينا بفك أسراره المبُهمة، فيقول صلاح فاروق فى قصيدة بعنوان: أيام العُطَل:
« ماذا يمكن أن نفعل فى أيام كهذى!
نشرب قهوة مدّعين أنه المكان نفسه حيث نلتقى
أو نقرأ أخباراً مُعدة منذ الأمس ومعروفة للجميع
لكنها مُعطلة عن الهدف حتى يقرؤها أمثالنا
أو ربما نتسلى برواية رجل يبحث عن شىء يفعله فى أيام كهذى».
تفقد الذات الشاعرة إحساسها بالحياة شيئاً فشيئاً حتى تشعر بالصدمة الحقيقية عندما تكشف الحياة عن وجهها الحقيقى أمام الذات ومن ثم فقد أصبحت هذه الأيام التى نعيشها مجرد أفعال تشبه بعضها بعضاً، من خلال الأعمال المتكررة التى لا تتغير بل تكون ممارستها نوعاً من القهر الواقع على الذات نفسها، كما تسيطر بنية التساؤل كثيراً على صوت الذات الشاعرة وتحركاتها الفوضوية داخل النص من خلال الأفعال التى لامعنى لها، هذه الأعمال التى فقدت أهدافها النبيلة أو التى صُنِعَتْ من أجلها، ومن ثم نلاحظ هروب الذات من العالم المُحبط الذى لايقدم شيئاً مهماً أو نافعاً إلى عالم افتراضى من خلال أحاديث ذاتية مكانية مُهملة أو تشعر بالإهمال عندما تشاهدها.
وتعزيزاً لقولنا السابق نلاحظ أيضاً فى النص نفسه أن هذه الأسئلة التى تطرحها الذات دائما هى أسئلة متعلقة بكياناتٍ فراغية مُعطلة وأشكال زمانية باهتة الملامح تحمل أقنعة الإدعاء والزيف لتضليل مجتمعها كى تربح هزائم صفراء متكررة لاتحمل سعادة الانتصار، بل يظل الخوف والقلق كامنا فى جوفها يخشى الخروج إلى الآخر الذى يطوق الموت جبينه .
فيقول صلاح فاروق مخاطباً الفراغ المُعطل:
« يا الله ..........!!!!
هذى الكلمات المكرورة تشبه أيامى، لكنها بقدر الملل الذى تسببه، وبقدر الغموض الذى تحمله
تميل إلى دفعى حتى أكتبها كاملة؛
كأننى سأعرف أين ينتهى الموقف،
أو سأعرفُ ماذا يمكن أن نفعل فى أيام كهذى.
ربما كان هذا تأثير رواية تبحث عن نفسها فى حياة واحد
مثلى ، يكرر الكلمات كما يكرر الأيام ويكتب:
حتى ينتهى كل شىء إلى أطياف غامضة لحكاية، تشبه ما
يمكن أن نفعله فى أيام كهذى.
أيها الأصدقاء وداعاً
لم يعد عندى ما أكتبه من أجلكم
ولا أعتقد أن لديكم ما تفعلونه من أجلى.
يومئ المقطع الشعرى إلى صوت الذات التى تلجأ للانهيار بسبب الأعمال المتكررة التى ينتج عنها أسئلة كثيرة ولا جواب لها ، كما أن صيغة التعجب والرغبة فى الوصول إلى الحقيقة المطلقة من خلال المطلع نفسه ( يا اللــــــــــه!!!!) يشى بشعرية الدهشة والصدمة الإدراكية التى تمنح الذات جوانب أكثر اكتئابا وألما وتمزقا ، كما أنها تطرح على الآخر المتكرر السلبى الكثير من الحقائق القاتلة لكنه لايعيرها اهتماماً فتفقد الذات منطقها وتخرج عن السيناريو وتلفظ عباراتها وحيواتها وينتهى كل شىء إلى أنماط غامضة لا معنى لها، ترتكز شعرية قصيدة النثر عندى صلاح فاروق على مجموعة من المرتكزات الفنية التى أنتجها النص نفسه من خلال استدعاء الروح من داخل الجسد للتعبير عن ملامح الشهوة الأبدية تجاه الآخر السلبى، والانتقال به من منطقة السلبية إلى منطقة التفاعلية التى تستند إلى كيمياء الحيوات اللامتكررة، واللانهائية، وبعد الانتهاء من أيام العطل ينتقل فاروق فى ديوانه إلى أيام الجمع، فيقول:
«فى أيام الجمع، حيث يكون الصمت مريبا بعد الصلاة
وحيث يكون صخب المقاهى شاهدا على فراغ أيامنا
نحاول بكل طريقة أن نكسر حدة الملل
كأن ندعى دون قناعة كافية بقوة المبررات لدينا ـــ أن
الحياة تتغير
وأن ليس لدينا ما نخسره، إن جربنا تغير المقاعد فى صفوف العاطلين
أو ندعى أن ثمة امرأة تلوح بمغامرة لطيفة؛ توقف النبض فى أرواحنا، تحرك الماء فى حياة تكلست فى ظل حماية زوجة محبة ووفية
وأولا عفاريت يقلبون الأيام كما يقلبون الكرة الشراب
فى ملعب الصالة المنزلية».
يبدو أننا أمام قصيدة من قصائد اليوميات التى تحتفل بخصوصيات الذات الشاعرة وأفكارها وقضاياها التى تتكرر كثيراً على لسانها، ولأن هذه اليوميات النصية كما أسميها تشى بمدلولاتٍ مباشرة وغير مباشرة فى مناطق كثيرة معتمدة على تقنية المفارقة فى عملية بناء المشاهد الشعرية أو العبارات إن جاز القول، لأن الشاعر صلاح فاروق اتكأ على بينة مفارقة وواسعة وتجلى ذلك فى العلاقة المتناقضة بين أيام الجمع التى يكون فيها صمتنا مريباً بعد الصلاة، ورغم ذلك تشتعل مقاهينا بالصخب والفراغ ولعب الورق وغيره ، وتكمن العلاقة هنا فى حجم الزيف والإدعاء الذى يقع على الذات فتقوم بتدوينه، بل إنها تستشرف أحداثاً مستقبلية كانت قد ألفتها من كثرة تكرارها وصخبها، وعليه فقد تداخلت المشاهد الشعرية داخل نصوص صلاح فاروق نتيجة تداخل الوعى الذاتى فى الشعور بالآخر، ذلك الآخر الذى لايشعر بذاته أيضاً، ومن هنا فعملية استقطاب الذات التى قام بها النص هى تقنية فنية مهمة ارتكزت على لغة شعرية قصيرة وسريعة الانتقال من مكان لآخر ملتحماً بمجازاته الشخصية التى تدل على دخول فاروق فى عوالم شعرية جديدة نتيجة رحلاته فى الصحراء الغربية فى طرابلس وبنغازى.
سى دى هات المواطن: بين إدهاش المتلقى والتأويل المحتمل
صورة مع غرباء من العائلة: سمكة وحيدة فى حوض مزدحم
كتابى تحت سطح العالم.. ستون يومًا فى أستراليا





