اكتشفت اننى لست مصابا بالتلعثم فى حد ذاته، لكن مصاب بكل أسبابه ودوافعه، واكتشفت أيضًا اننى لا أكون طليقًا الا بين الورقة والقلم
أشفق جدا فى داخلى على كل الذين تخدعهم المظاهر والمناظر، وفى أوقات سابقة كنت أعتبرهم مغفلين بالفطرة، لكن بعدما سارت بى السنون وصار العمر أكبر بت ارتاح أكثر لاعتبارهم من ناقصى الخبرة، وأما هذه الخبرة المقصودة فهى ما يتعلق بالاحتكاك الشخصى بالسواد الأعظم للمصريين بالمعنى العام «خبرة الشارع» وهذه هى المنطقة الناقصة لدى بعض منا ذلك انها تمنح اصحابها مهارات خاصة جدًا لا تُكتسب بالتعليم ابدا لكنها مبنية على قواعد انسانية وخبرات شعبية متبادلة، لا يمكن لها أن تُحكى أو يتم تلقينها، تجربتى تقول إنها لا تنتقل بالتعلم ولكن بالمزاولة والممارسة.
هذا الكلام مناسبته ما دار معى مؤخرًا، خلال أسبوعين فقط أجريت نحو عشر مقابلات متوالية جميعها تخص العمل، كأننى عدت محررًا صحفيًا يبتدئ مسارا غائما لكنه يسير، وهذه مزايا العمل بالصحافة المحببة لقلبى، انك تتجدد فى كل وقت ومع كل مشوار يبدأ، كأن برعما ما ينبت من جديد بعدما رأيت العود يجف ويذوي، أحب هذه المهنة بالفطرة بلا قائمة أسباب لكن اذا اردت تفصيلا فستطول القائمة لأبعد حد، واحد من هذه الأسباب هو الحركة الدائمة والأخذ والرد والمحاولة والمحاورة والقدرة على المناورة، وآخر أيضًا يتعلق بالقدرة الجبارة على تدريب النفس لاحتمالات الرفض، يعنى مثلا كأن اسئلتك أو لقاءك أو طلب استقبالك جميعها يواجه بالرفض، تعرف كم هذا مزعج للانسان أن يشعر بالرفض! مؤكد تفهم ذلك، لكن هل تعرف بماذا يصاب الصحفى حينها؟ هذا وحده كفيل بإدخاله فى تحد ذاتى تتفجر منه فرصة جديدة وهكذا تمضى الرحلة، رفض يتبعه تحدِ وقبول تعرقله الظروف، كل ذلك جميل جدًا، لكن ماذا اذا كان الصحفى يتلعثم، غريبة صح؟!
المهم، نعود للمقابلات الشخصية التى جرت خلال اسبوعين فائتين، بعضها تأنقت فيه للغاية وبعضها تكاسلت حتى عن حلاقة ذقنى، لا بسبب يتعلق بقدر أهمية المسئول الذى يستضيفنى أو قدره، لكن بسبب أن بشرتى تتحسس بعد كل مرة يسير الموسى عليها ويتركها كبدة حمراء، المهم الموضوع يتعلق بتلعثمى الدائم.
الرد خرج منى عفويا جدًا بلغة عربية فانبهرت السيدة بفصاحتى وحيتنى عليها، بينما كل المسألة اننى لما اواجه مفاجأة أتلعثم جدا فيلجأ عقلى للغة الفصحى المنضبطة لا اراديًا كأنها حيلة هشة تدارى تلعثمى، أحسها-اللغة الفصحى- تضفى على قائلها نوعا من حكمة ما، وشيئا يشبه الرصانة والتعقل وتثير الغموض وتدفع المستمع للانتباه أكثر واستقبال الحديث بوقار اوسع وتخلق لديه-المتلقي- استعدادا كبيرا للتفهم والإنصات، لذا تنقذنى هذه الفصحى الجميلة لما أتلعثم.
أما هذه المقابلة فكانت فارقة جدًا إذ انطلقت أرطن بكلمات انجليزية متفرقة راحت تخرج بطلاقة جمة كأننى صعلوك عربى فى شارع أكسفورد، وذلك دون مبرر منطقى سوى اننى تلعثمت فجأة، ولم تُسعفنى فصحتى ولا عاميتي، بل راح العقل ينتقى بعناية من الانجليزية ما يشاء ويُسكّن أنسبها فى مواضع الحوار، أحبها أيضًا لطواعيتها السلسة وتنوعها، ربما لأن بعض المصطلحات ثقافة منشأها هى الانجليزية لذا تكون أكثر واقعية، وبعد أن فتح الله لى ما شاء بمفردات ومعان، ذلك لما سألنى ضيفى سؤالاً عادى جداً لكنه احرجنى فاندفعت، ثم قال: من أين لك هذا؟! ضحكت جدا وأخبرته ان ما سمع لم يكن ثقافة ولا يحزنون، لكنه بسبب حالات تلعثم تزورنى لما تحدث أشياء، فسخر الرجل مما قلت واعتبره محض هراء وودعنى وانصرف.
شاب يانع أحبه التقيته بعد غياب طويل، ضمنى بقوة وقال لى إنه كان ولايزال يرى فى أنا مثلا أعلى، تلعثمت جدا وضحكت من قلبى وربت على كتفه وغادرته وقلت فى سري، لايزال صغيرًا على البصيرة، ودعوت له أن يرزقه الله بأحسن مما أوتيت.
فى المطلق، اكتشفت اننى لست مصابا بالتلعثم فى حد ذاته، لكن مصاب بكل أسبابه ودوافعه، واكتشفت أيضًا اننى لا أكون طليقًا الا بين الورقة والقلم.

علي عبد الحفيظ يكتب: الأزهر الشريف ووأد الفتنة
تامر عادل يكتب: كأس العالم من عاصمة مصر الجديدة
فى الاحتفال بيوم إفريقيا التمسك بالتنمية المستدامة







