لكى أصلح هاتفى، قادتنى الصدفة إلى هذا الشارع الضيق الواصل بين شارعى الأزهر ومحمد على بقلب العتبة، شارع شديد الازدحام فريد من نوعه حيوى كخلية نحل، متفاعل كبورصة هونج كونج، صاخب كحفل لحكيم، خليط متلاطم من البشر والأجهزة والموتوسيكلات والكائنات، هو شارع العطار.
مع التطور المُذهل للحياة واستخدامات التكنولوجيا التى أصبحت جزءًا لا يتجزأ من حياة الناس.. أصبح الموبايل لأغلبنا «ضرورة» لا غنى عنها، ومع انتشاره بشكل مفرط، حتى بات كثيرون يحملون فى جيوبهم بدل الواحد اثنين وأحيانًا ثلاثة، صارت أعطال الموبايل وكسوره واقعًا يوميًا لا فِرار منه، وهنا سنلجأ حتمًا لهذا الشارع «شارع العطار».. عفاريت الموبايلات.
اقرأ أيضًا | الجلوس لفترات طويلة أمام الموبايل يهدد صحتك النفسية
عندما تَعَرَّض هاتفى المحمول للسقوط على الأرض، أول محل زرته فى الحى الذى أسكنه لتغيير الشاشة التى كسرت، أبلغنى أن سعر التغيير 12 ألف جنيه، عندما ذهبت للعطار غَيَّرتها بجودة أعلى، وبثمانية آلاف و400 جنيه فقط لا غير، فارق السعر لا يُستهان به، وبالمناسبة اشتريت الشاشة من محل وتركيبها كان فى محل آخر.
بهذه الفروق الكبيرة فى الأسعار و«الشطارة» الواضحة، كان لابد من إلقاء الضوء على شارع أغلبه من الشباب، المهنة حديثة ولم يثبر أغوارها إلا جيل الشباب، أغلب «الصنايعية»، أعمارهم تتراوح بين 18 و40 سنة، كلهم نشاط وحيوية، الشارع بالكامل «خلية نحل»، كل محل يبيع قطع الغيار وأمامه طاولة أو اثنتان للتصليح، غالبًا يكون «الصنايعى» مستأجرها من صاحب المحل.
«الأخبار»، التقت أحد الشباب المهرة العاملين فى تصليح الموبايلات، محمد فيشا شهرته، لسبببين الأول أنه شاطر فى صنعته، والثانى أنه شديد الشبه بمحمد صلاح وبالمناسبة محمد يعلق صورة لصلاح داخل محله، ويقول: «أعمل بهذه المهنة قبل 15 سنة، تعلمتها بالممارسة، العائلة بالكامل ومنذ صغرنا نحب تصليح الأجهزة، وتعلمنا من الوالد، لكن طبعًا لم يكن موبايلات، كان على أيامه الراديو والمكاوى والأجهزة من هذه النوعية، عندى اثنان أشقاء «غاويين تصليح»، لكنها مهنة ليست سهلة ودقيقة جدًا وكل يوم فيها جديد، وتكنولوجيا بتتغير وتتصعب علينا».
وتابع قائلًا: «بحب فرحة الناس لما أصلح لهم أجهزتهم، أحيانًا زبائن تكون فاقدة الأمل أو سألت ولقيت سعر التصليح فى التوكيل غالى جدًا ولن تستطيع دفعه، لما ربنا يكرمنا ونصلح الجهاز، الناس بتفرح وأنا طبعًا بفرح جدًا، الفرحة حلوة يا أستاذ، ربنا يسعد الناس كلها».
بهذه التلقائية والكلمات البسيطة، انتقلنا من محمد فيشا، لواحد من أهم تُجار قطع الغيار فى العطار «وجيه أمين محمود»، واحد من أوائل الذين أدخلوا تجارة قطع غيار الموبايلات إلى مصر، رحلة بدأت عام 2001، ما بين سفر ومغامرة وانتهت بكونه من أكبر مُورّدى قطع الغيار لتجار وصُنَّاع الموبايلات فى مصر وخارجها.
يقول وجيه: «كنت فى الأول شغال نائب مدير عام بشركة أدريان، وبعدها قررت أدخل هذا السوق الجديد، وقتها لم يكن أحد يعلم يعنى إيه موبايل أصلًا !!، بدأت بمحـل صغير استأجرته فى حارة العطار، ومع الوقت تَحَوَّل هذا المكان لمول تجارى، ثم اشتريت المحل، مع الوقت قررت تطوير الشغل من البيع لمجال الاستيراد المباشر».
وجيه لا يستورد قطع الغيار للموبايلات فقط، لكنه يُصَدِّر لبلاد مثل ليبيا، غزة، تونس، والسودان، الذين يعتبرونه مصدر ثقة للقطع الأصلية وأدوات الصيانة.
سافر نهاية 2001 إلى الصين لأول مرة، لحضور معرض قطع غيار ومُعدات الهواتف المحمولة، ومن هناك بدأ يُكوِّن شبكة علاقات قوية مع المصانع والمُوَرِّدين.
وتابع قائلًا: «ممكن تبقى قطعة غيار واحدة موقفة شغل محل بالكامل، وده بيخلينى لازم أوفّر للناس الحاجة فى وقتها وبسعر معقول، أول قطعة غيار اشتغل فيها كانت لموبايل «أريكسون 388»، وكان بيستورد «الهاوسنج» من دبى، بعدها اشتغلت على نوكيا بانانا، وأصناف أخرى كثيرة صارت من الذكريات حاليًا ومع تطور التكنولوجيا، قدرت أواكب السوق وأوفّر قطع غيار لأحدث أنواع الهواتف، رغم تعقيدها وصعوبة صيانتها».
وأضاف: «من أكبر التحديات التى نُواجهها حاليًا، ارتفاع رسوم الجمارك، وصعوبة توفير السيولة أحيانًا للاستيراد، بالإضافة لمشكلة انتشار القطع المُقلدة فى السوق، وهذه تؤثر تأثيرًا مباشرًا على جودة الشغل».
واختتم وجيه حديثه قائلًا: «المهنة علمتنى أن الحفاظ على الجودة سر النجاح فى السوق، أنا بفضّل أشتغل فى الأوريجنال وأحافظ على سمعتى، حتى لو هامش الربح قليل، الزبون يأتى لى مخصوص، لأنه عارف البضاعة مضمونة، ممكن تكسب مرة بقطعة مضروبة، لكن ستخسر زبون طول العمر».
قراءة أعمق للمشهد الإعلامى| «الاستعلامات» ترصد اتجاهات الصحافة ومراكز الفكر الإسرائيلية والدولية
ركيزة التوازن البيئى| المانجروف كنز أخضر يحمى البحر الأحمر
154 عامًا جمال معمارى| «قصر النيل» أشهر كبارى مصر و«أول مَن عبر النهر»







