إهمال طبي وتحرك حكومي.. حكايات مأساوية لضحايا فقدوا «نور عينيهم»

مستشفى 6 أكتوبر
مستشفى 6 أكتوبر


في خطوة حاسمة، للتصدي لحالات الإهمال الطبي، التي تعرض لها عدد من المرضى في مستشفى السادس من أكتوبر التابعة لهيئة التأمين الصحي، أصدر الدكتور خالد عبد الغفار، وزير الصحة والسكان، توجيهات فورية بتشكيل لجان فنية متخصصة للتحقيق في الواقعة التي أثارت غضب الرأي العام.

وتعرض عدد من المرضى، الذين خضعوا لعمليات إزالة المياه البيضاء وزراعة العدسات، لمضاعفات صحية شديدة الخطورة نتيجة لعدوى بكتيرية انتقلت إليهم داخل غرفة العمليات، ما أدى إلى تدهور حالتهم الصحية وفقدانهم البصر.

التحقيقات التي أجرتها وزارة الصحة كشفت عن تقصير واضح في إجراءات مكافحة العدوى، مما دفع الوزير إلى اتخاذ قرارات صارمة، شملت إحالة المسؤولين عن الحادث إلى التحقيقات القضائية ووقف الأطباء المتورطين عن العمل. كما تم تكليف لجان فنية لمراجعة إجراءات التعقيم والمعدات الطبية في المستشفى، في إطار استراتيجية الوزارة الراسخة لضمان سلامة المرضى وتعزيز الثقة في النظام الصحي.

 

◄ ضحايا الإهمال

 

«بوابة أخبار اليوم» توثق حالات الإهمال الطبي التي تعرض لها المرضى داخل مستشفى السادس من أكتوبر التابعة لهيئة التأمين الصحي بمحافظة الجيزة، بعدما أصيبوا بعدوى بكتيرية شديدة الخطورة، أثناء خضوعهم لعملية إزالة المياه البيضاء وزراعة عدسة، تسببت في تأكل غضاريف العين كاملة وفقدان البصر.

يقف محمد حسين عبد العزيز، مدرس لغة عربية، بين تلاميذه يرتدي نظارته السميكة، تعكس عيناه شغف لا ينضب بجمال لغته الأم، كان يرى في عيون طلابه مرآة تعكس نجاحهم تكليلاً لجهوده.

عانت عيناه اليمني بسبب كثرة القراءة وتصحيح الأوراق، من مشكلة المياه البيضاء، لم يقلق فقد طمأنه الأطباء أن العملية بسيطة وروتينية، وأنها ستعيد له صفاء الرؤية، كان يحلم باليوم الذي يرى فيه حروف خط النسخ بكل وضوح دون عناء .

بداية سبتمبر الجاري، خضع عبد العزيز 58 عاما، يوم الإثنين قبل الماضي، لإجراء تدخل جراحي بالعين اليمني لإزالة المياة البيضاء وزراعة عدسة داخل مستشفى السادس من أكتوبر التخصصي، التابعة للتأمين الصحي.

 

◄ عدوى بكتيرية

 

بعد ساعات، خرج منها محملاً بضمادة بيضاء تغطي عينه اليمنى، وبأمل قريب في استعادة بصره، لكن الأيام لم تجلب النور، بل حملت الألم، بدأ احمرار خفيف، ثم تحول إلى حرقان لا يطاق، ظنت أسرته أنه ألم طبيعي لكن سرعان ما تسللت مشاعر الخوف لابنته «شروق» التي تحدثت إلينا عن حالة والدها لتخبرنا، أنها فوجئت بكم هائل من الصديد يملأ عين والدها حين كشفت الضمادة لتضع له قطرات العين بعدما التزمت بتعقيم يديها بالكحول كما وصتها الطبيبة «س.ع» التي أجرت العملية.

لم تجد مفراً سوى العودة إلى المستشفى لإخبار الأطباء بحالة والدها، قوبلت شكواها  بوعودٍ مطمئنةٍ وأدويةٍ لم تجد نفعاً، بعدما وجدت البكتيريا طريقها إلى عينه، في هدوءٍ قاتل، من غرفة كان من المفترض أن تكون معقمة.

بصوت يملؤه الحزن تقول شروق لـ «بوابة أخبار اليوم»: «أبويا فقد عينه، عشان الإهمال والأجهزة غير المعقمة، ومليانة بكتريا، واللي أدت لخضوعه لعملية جراحية أخرى لتفريغ العين بالكامل، حتى لا تنتقل البكتريا للعين الأخرى».

عبرت الفتاة العشرينية، عن استياءها الشديد بداية من التعامل مع حالة والدها، حتى رفض المستشفى إعطائهم تقرير طبي يفيد بأن عين والدها تعرضت لعدوى بكتيرية داخل غرفة العمليات تسمى «الكلبسيلا».

تصف شروق محمد، حالة التعنت التي تعامل معها الطاقم الطبي داخل المستشفى، بعدما أثبت السونار أن هناك التهابات شديدة بالعين نتيجة لوجود بكتريا، أخبروها أن تذهب بوالدها للمنزل وسوف يتحسن مع العلاج الجديد، لكنها صممت ألا تذهب دون أن تطمأن علي حالة والدها، بعدها علمت أن والدها سوف يذهب للطوارئ ويخضع لعملية حقن، لكن لم يخبروها بحقيقة أن والدها لديه نزيف في عينه اليمني.

 

◄ إخفاء السبب الحقيقي للعدوى

 

أخفت المستشفى السبب الحقيقي للعدوى، واقنعوا الأهل بأن السبب وراء ذلك هو تلوث الهواء، وحاولت التنصل من كافة المضاعفات، لكن مع إصرار الأهل لم تجد مفر سوى أن تقر بالحقيقة الكارثية خاصة مع زيادة توافد حالات أخري تعاني من نفس الأعراض.

«حالة محمد حسين كويسة ومش محتاجة حقن تاني ولا حاجة، اخرجوا وتعالى يوم السبت».. هكذا أخبرهم الطبيب «ح.م‌» في اليوم الثالث من سبتمبر الجاري، أوضحت الابنه أن الطبيب أخبرهم بذلك لأنه فقد السيطرة علي حالة والدها، وطلب الخروج من المستشفى للتنصل من الحالة، وحال قدومهم في اليوم المحدد لن يجدوه أو بالأحرى يتهمون الأهل بتسببهم في تدهور الحالة الصحية للمريض.

ظل «عبد العزيز» يتلقى العلاج داخل المستشفى، واختفت آلامه تدريجياً، ظنت الأسرة أن والدها تحسن حسبما أخبرها أحد الأطباء بأن انخفاض الألم اقرب طريق للشفاء، لكن الصدمة الكبرى أن الألم انخفض تدريجياً، لأن العين اليمني تعرضت للتآكل التام من العدوى البكتيرية.

 

◄ رفض التقرير الطبي 

 

«والدك هيتعمله تفريغ كامل للعين اليمنى، ودا الحل الوحيد عشان الفيروس هيوصل للمخ والعين الثانية، معاكي الساعة 2 تاخدوا قرار تعملوا العملية هنا ولا في قصر العيني».. في تمام الواحدة مساء يوم السبت، السادس من سبتمبر، استقبل الطبيب «شروق محمد»، ليعلمها حقيقة الحالة الصحية لوالدها، وعليه الخضوع لعملية تفريغ العين اليمني، ولها حرية الاختيار بأن تجرى العملية في المستشفى أو الذهاب للقصر العيني، وعليها حسم القرار خلال ساعة من الآن.

حسمت «شروق» القرار بعد التشاور مع أسرتها بأن يجري والدها العملية في مستشفى قصر العيني، وطلبت من الإدارة جواب التحويل لـ قصر العيني، لكنها فوجئت بأن التقرير الطبي يفيد بأن المريض خرج بحالة جيدة من غرفة العمليات، لكنه تعرض لتلوث بكتيري خارج المستشفى.

رفضت الأسرة استلام التقرير المغاير للحقيقة، ومع وجود حالات أخرى في نفس الوقت تعالت صيحات الأهالي لغضبهم ورفضهم للظلم، وصعد الأمن لفض المرضى.

استنجدت شروق بالنجدة وطلبت شرطة قسم الدقي لتحرير محضر وإثبات الواقعة، وفور حضور الشرطة للمستشفى طلبوا من الأهالي الجلوس في قاعة الاجتماعات، وفوجئ الأهالي أن المستشفى خصصت سيارات إسعاف لإرسال المرضى لمستشفى قصر العيني، لكن بتقارير طبية  تحمل الأهالي نتيجة التلوث البكتيري للمرضى.

وبعد جدال استمر لساعات طويلة من قبل إدارة المستشفى غير عابئة بضرورة إنقاذ المرضي وأن كل تأخير قد يسوء من حالتهم الصحية، تم إصدار التقارير الطبية «فقدان الشهية وآلام مبرحة، جعلتها تخضع لثلاثة عمليات في عينها اليسرى».
 

◄ آلام الحاجة شادية

 

لم تكن تتوقع «شادية صبحي» صاحبة الـ57 عاماً، أن تفقد عينها اليسري جراء عملية إزالة «المية البيضاء»، فهي عملية بسيطة للغاية كما أخبرها الأطباء، ظنت أنها سوف تتخلص من ضباب الرؤية، لكن الحقيقة الموجعة أنها تخلصت من عينها للأبد.

خضعت المريضة لإجراء عملية إزالة «المية البيضا» بداية سبتمبر الجاري، وبعد ساعات من إجراء الجراحة التي تبدوا ناجحة للوهلة الأولى، إلا أنه فور انتهاء مفعول التخدير «البينج»، ظهرت آلام مبرحة تفقد قدرتها على التحمل.

تعايشت «الخمسينية» مع أوجاعها ظناً منها أن هذا الآلم طبيعي، بعد مرور ثلاثة أيام ظهر ورم كبير في عينها وصاحبه التهاب حاد واحمرار جلدي، اصطحبها ابنها «عبد المنعم محمد»، ليبلغ الأطباء داخل مستشفى 6 أكتوبر بحالة والدته، ليتم حجزها وإدخالها غرفة العمليات ثانيةً، لإجراء حقن وأخذ عينة من الورم. اخبره الأطباء أن والدته مصابه ببكتريا، وبحاجة للتحويل لمستشفى القصر العيني، لخضوعها لثالث مرة لعملية جراحية لتفريغ العين بالكامل .

يقول «عبد المنعم» لـ «بوابة أخبار اليوم»، أن والدته عانت من حالة نفسية سيئة استمرت لتسعة أيام تعاني من الآلام المبرحة جعلتها تفقد شهيتها لتناول الطعام، متسائلاً: كيف لعملية بسيطة تتحول إلى كارثة بسبب إهمال وعدم مسئولية من منظمي الضمير؟. وهل من العدل أن تتحول أرواح الناس وأجسادهم إلى ضحية إهمال وفشل في أبسط معايير التعقيم والرعاية؟.



◄ فشلت المسكنات في تخفيف الآلم



«حسه بشنيور في عنيا.. الحقوني بالمسكنات مش مستحملة الوجع»، بهذه الكلمات أعربت الحاجة نجاح ربيع 65 عاما، عن آلامها بعد إجراء عملية استمرت لأكثر من ساعتين لإزالة المياه البيضاء، داخل غرفة العمليات بمستشفى السادس من أكتوبر للتأمين الصحي.

لم تمر ليلة الخميس الموافق 28 أغسطس الماضي، مرور الكرام، حيث شعرت الحاجة نجاح بآلام يصعب وصفها، جعلتها تقبل على تناول أشد المسكنات المحلية والمستوردة ، لكن جميعها باءت بالفشل في تهدئة وتسكين الآلم.

وفي صباح يوم الجمعة، اصطحبتها ابنتها «رشا»، وتوجهت لطوارئ المستشفى، لكن أخبرها التمريض أنه لا توجد طوارئ «رمد» يوم الجمعة، ونظراً لحالة الأم التي يرثي لها قررت الابنة صعود الطابق الخامس المخصص لمرضى الرمد لكنها بالفعل وجدته بلا أطباء أو تمريض.

 

اقرأ ايضا| ‏‎وزير الصحة يوجه بإحالة واقعة مستشفى 6 أكتوبر إلى النائب العام


وبعد مراسلة الطبيب عبر تطبيق الواتس اب بحالة المريضة، أخبرهم أن تأتي يوم السبت للخضوع للكشف في العيادات الخارجية للفترة المسائية، وطلب منها الطبيب عمل سونار على العين خارج المستشفي لعدم توفره بالداخل.

 

◄ سوء الخدمة الطبية

 

أوضح السونار أن هناك إلتهاب حاد ويجب عمل غسيل زجاجي، لإنقاذ العين من التلوث أو استئصال العين بأكملها، وطلب منها الطبيب أن تأتي في اليوم التالي «يوم الأحد الموافق 8/31» لعمل حقن مضاد حيوي في العين، لكن كان ذلك دون جدوى، ظلت الابنة برفقة والدتها المسنة، لكن ذاقت الأمرين داخل المستشفي بسبب سوء الخدمة الطبية وعدم قيام طاقم التمريض بمهامة بل هي من قام بمتابعة مواعيد الدواء وكذلك تعقيم عين والدتها وتجديد الضمادة عليها.

وحررت شكوى ضد ما يحدث داخل المستشفي من اهمال طبي والتعامل مع المرضى بفتور على بوابة الشكاوي لمجلس الوزراء. اضطرت، لعمل حقن مرة أخرى ومزرعة لمعرفة نوع الميكروب، أخبرها الأطباء أن والدتها حالتها مستقرة وعليهم الخروج من المستشفى.

لم تتوقع «رشا»، أن شكواها ستجد تحرك من قبل المسئولين، لكنها أصابت السهم، ففوجئت بوجود لجنة تفتيشية داخل المستشفى، وخضعوا حالة والدتها ومثيلها من المرضي للفحص الطبي، لتخبرها اللجنة بضرورة خضوع والدتها لعمل تفريغ للعين المصابة، من أجل الحفاظ علي العين الثانية.

تحكي «رشا» أن أكثر المواقف التي زادت وجعها هي مماطلة المستشفي، وعدم اعترافها بحجم الكارثة المرتكبة في حق مرضي بسبب الإهمال وقلة الضمير. بل ظلت حالة والدتها الصحية مرهونة بصدور تقرير طبي من المستشفى يشرح حقيقة الوضع الصحي، ورغم أن كل دقيقة تأخير تسوء حالة المرضي، إلا أن المستشفى لم تصدر التقرير إلا بعد 6 ساعات من المماطلة والتنصل من جُرمها.

ورغم أن حالة الحاجة نجاح انذرت المستشفى بوجود مشكلة ما في أغسطس الماضي إلا أن المستشفى، لم تهتم بالأمر، واستمرت في عمل العمليات الجراحية لمرضى الرمد، حتي بعد قدوم لجنة تفتيشية بثلاثة أيام، حسب روايات المرضي التي وثقتها معدة التحقيق.

 

◄ تحرك حكومي

 

تابع الدكتور خالد عبدالغفار، وزير الصحة والسكان، الشكاوى المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي بشأن المضاعفات الصحية التي أصابت عدداً من المرضى، عقب إجراء تدخلات جراحية في قسم الرمد بأحد بـ مستشفى 6 أكتوبر التابعة للهيئة العامة للتأمين الصحي بمحافظة الجيزة.

ووجه الدكتور خالد عبدالغفار، فوراً بتشكيل لجان فنية متخصصة للتحقيق في الواقعة بكل دقة وموضوعية. وتضمنت هذه اللجان:

تشكيل لجان تحقيق: قام وزير الصحة بتشكيل لجان متخصصة للتحقيق في الواقعة، وشملت هذه اللجان:

- لجنة طبية: لتقييم العمليات ومتابعة الحالات.

- لجنة مكافحة العدوى: لفحص الإجراءات الوقائية.

- لجنة فنية للمعدات: لتقييم سلامتها.

- لجنة إدارية لمراجعة الإجراءات التشغيلية.

نتائج التحقيق: أكدت اللجان وجود «تقصير واضح» من القائمين على قسم العمليات في الالتزام ببروتوكولات مكافحة العدوى.
 

◄ قرارات صارمة

 

بناءً على النتائج، اتخذ وزير الصحة القرارات التالية:
 

- إحالة الواقعة بالكامل إلى النائب العام للتحقيق القضائي.

- وقف رئيس الإدارة المركزية للخدمات الطبية بالهيئة عن العمل وإحالته للتحقيق.

- إنهاء تكليف مدير المستشفى وإحالته للتحقيق.

ـ إيقاف الأطباء المشاركين في العمليات** عن العمل وإنهاء عقودهم.

- تكليف مدير فرع التأمين الصحي بالقاهرة بالإشراف على المستشفى مؤقتًا.

إجراءات مستقبلية: تم تكليف اللجنة المركزية لمكافحة العدوى بمراجعة جميع إجراءات مكافحة العدوى في كافة مستشفيات الهيئة.

‏‎وأكد الدكتور حسام عبدالغفار،  المتحدث الرسمي للوزارة،  أن هذه الإجراءات تأتي ضمن استراتيجية الوزارة الراسخة لحماية وحفظ حقوق المرضى، وتعزيز الثقة في المنظومة الصحية، مع الالتزام الكامل بتطبيق أقصى درجات الحزم  تجاه أي تقصير يمس صحة المواطنين، مشيرًا إلى أن نائب رئيس الوزراء وزير الصحة والسكان، أكد أنه لا تهاون في حماية حقوق المرضى والحفاظ على سلامتهم.