إعداد: محمد إسماعيل
في منتصف القرن العشرين، حين كانت السينما المصرية تعيش عصرها الذهبي، برزت ثنائية صنعت للضحك ملامح لا تُنسى: إسماعيل ياسين ورياض القصبجي. ولم يكن الأمر مجرد تعاون بين ممثل كوميدي وآخر ذي ملامح جادة، بل كانت علاقة امتدت عبر عشرات الأفلام، وحوّلت التناقض بين البساطة والسذاجة أحيانًا والصرامة إلى مصدر للبهجة الجماعية. واليوم، وبعد أكثر من نصف قرن على رحيلهما، ما زالت أعمالهما تُضحك الأجيال الجديدة كما أضحكت الآباء والأجداد.
ظهر إسماعيل ياسين ورياض القصبجي معًا في أكثر من 35 فيلمًا بين عامي 1946 و1961. البداية كانت بدور صغير للقصبجي في فيلم خد الجميل عام 1946، لكن الجمهور بدأ يلتفت إلى الكيمياء بينهما مع تكرار ظهورهما في أفلام لاحقة.
وبلغت ذروة التعاون في عقد الخمسينيات، حيث شاركا في أكثر من 20 فيلمًا خلال عشر سنوات فقط، وهي كثافة لافتة إذا ما قورنت بمعدلات إنتاج السينما في ذلك الوقت، ما يعكس حجم الإقبال الجماهيري على رؤية هذا الثنائي.
من بين هذه الأعمال، هناك ما يزيد على عشرة أفلام حملت اسم إسماعيل ياسين في العنوان، مثل إسماعيل ياسين في الجيش وإسماعيل ياسين في البوليس وإسماعيل ياسين في الأسطول. لكن تبرز أيضًا أسماء لأفلام تحولت إلى علامات كلاسيكية، ومنها حماتي ملاك (1950) والآنسة حنفي (1954) وابن حميدو (1957).
هذه الأفلام لم تُعرض فقط في القاهرة والإسكندرية، بل جابت مدن مصر كلها، وكانت تعرض في حفلات متتالية تصل إلى أربع يوميًا، وهو ما كان يعكس شعبيتها الاستثنائية.
نجاح الاثنين لم يكن وليد الصدفة؛ فسرّ الخلطة يكمن في التناقض الواضح بين البطلين: فإسماعيل ياسين بملامحه المرنة وجسده النحيل وصوته الطريف، في مواجهة رياض القصبجي بملامحه القاسية وصوته الغليظ ونظراته الصارمة.
الجمهور لم يكن يضحك من «إفيه» جاهز بقدر ما كان يضحك من الموقف نفسه. والمفارقة أن القصبجي كان يتعامل مع الدور بمنتهى الجدية، وهو ما جعل الموقف أكثر صدقًا وأشد إضحاكًا.
اقرأ أيضا: ذكرى وفاة رياض القصبجي.. محطات صنعت نجومية «الشاويش عطية»
لغة الأرقام
ولم يقتصر نجاح أفلام الثنائي على تفردها في الكوميديا فقط، بل سجلت أرقامًا لافتة على مستوى الإيرادات. إيرادات «إسماعيل ياسين في الجيش» تجاوزت إيراداته 150 ألف جنيه في وقت لم تتعدَّ ميزانيات الأفلام 40 ألفًا.
وأصبح «ابن حميدو» من أكثر الأفلام إعادة للعرض على شاشات التلفزيون المصرية والعربية منذ أكثر من أربعة عقود، ولا يزال يحظى بنسب مشاهدة مرتفعة على المنصات الرقمية، أما سلسلة «إسماعيل ياسين في…» حصدت مجتمعة ما يفوق مليون جنيه من الإيرادات خلال عشر سنوات، وهو رقم قياسي بالمعايير الاقتصادية للسينما في ذلك العصر.
ورغم أنهما على الشاشة كانا خصمين دائمين، فإن خلف الكواليس جمعت إسماعيل ياسين ورياض القصبجي صداقة قوية. كان ياسين يصرّ على وجود القصبجي في أفلامه ويعتبره جزءًا من نجاحه، وفي المقابل كان القصبجي ممتنًا لهذه الثقة ويؤكد أن ظهوره بجانب ياسين هو ما أوصله إلى قلوب الجماهير.
إذًا، لم تكن تجربة إسماعيل والقصبجي مجرد ثنائية ناجحة، بل تحولت إلى مدرسة في صناعة الضحك، حيث اعتمدت هذه المدرسة على كوميديا الموقف لا كوميديا النكتة، وهو ما ألهم أجيالًا لاحقة من الثنائيات مثل عادل إمام وسعيد صالح في المسرح، ومحمد هنيدي وعلاء ولي الدين في بدايات التسعينيات.
رحل رياض القصبجي عام 1963 بعد أزمة صحية، ثم لحق به إسماعيل ياسين عام 1972. ومع ذلك بقيت أفلامهما من الأكثر عرضًا على شاشات التلفزيون حتى اليوم، بل إن كثيرًا من هذه الأعمال يُدرج ضمن قوائم الأعلى مشاهدة على المنصات الرقمية حين يُعاد بثها؛ فالأجيال الجديدة التي لم تُعاصر الخمسينيات أو الستينيات ما زالت تضحك على نفس المشاهد التي أضحكت الأجداد. وهذا دليل على أن الكوميديا الصادقة لا تموت، وأن الضحك الذي يُبنى على الموقف والصدق يظل حيًا مهما تغيّر الزمن.
ثنائية إسماعيل ياسين ورياض القصبجي لم تكن مجرد تعاون بين ممثلين، بل تجربة فنية متكاملة صنعت ضحكًا خالدًا، وسجلت حضورًا رقميًا وإنسانيًا في تاريخ السينما المصرية.
حمزة علاء الدين .. صاحب العود الذى حمل ذاكرة النوبة إلى الغرب
دياب ورمضان .. جدل وكوميكس
الذكاء الاصطناعى يدخل «مرحلة التطبيع»







