■ كتب: حسن حافظ
أراد السلطان تخليد اسمه فكان نتيجة هذه الرغبة مَعْلم شامخ ينتصب في قلب القاهرة الإسلامية، أمام قلعة صلاح الدين ظهر هرم مصر الرابع، وتحفة العمارة الإسلامية التي لا يجود الزمان بمثلها، الرهبة والجلال عنوان النظرة الأولى، لكن الخشوع هو ما يستقر فى النفس عند جولة فى أروقة جامع ومدرسة السلطان حسن، فهنا تخرج من ضيق الممر الرابط بين المدخل المهيب ورحابة صحن المنشأة، ترى السماء تلقى برداء الأبدية وكأنها السقف الذى يحمله الإيوان الضخم للجامع والذى يعد مفخرة العمارة المصرية الإسلامية بضخامته وتناسق مكوناته.

الفنان المصري أبدع فى هذا الجامع وعرف كيف يوظف الفنون الإسلامية في بناء هذه الملحمة الهندسية، فلم يوجه همه إلى الزخرفة كعامل جوهرى فى العمارة بل اقتصد فيها وسيطر عليها وأخضعها للكل فأدت أغراضها، فجامع السلطان حسن يتفوق على جوامع القاهرة في جمعه بين قوة البناء وعظمته ورقة الزخرفة وجمالها، فالمدخل الرئيسى للجامع يخطف النظر بمهابته وارتفاعه الشاهق، المقرنصات تزين الواجهة كأنها عقود العنب المتدلى، الذى ينساب في سلاسة فيلقى الجلال على المدخل، ثم تدخل إلى قاعة استقبال مزينة بمقرنصات وقبة مزينة بالحجر الأحمر، تسحرك بزخرفتها الدقيقة، وهى جماليات تكشفها صور الفنان محمد عبد الملك، الموثق لتراث القاهرة.

◄ اقرأ أيضًا | بين كنوز الحضارة وجمال الفن الإسلامي.. حضور بارز لمصر في بينالي جدة
ثم تنتقل من اتساع قبة المدخل إلى ممر يفرض إيقاع الهدوء والترقب، وينقلك إلى صحن الجامع المفتوح والمبلط بالرخام، والذى تحيط به أربعة إيوانات أكبرها إيوان القبلة المهيب، والذي لا نظير له، وبصدره المحراب المغشى بالرخام الملون والمحلى بزخارف نباتية تتخللها عناقيد العنب، وبجواره المنبر الرخامى الفخم، ويقع خلف جدار الإيوان قبة الدفن المزينة بنقوش وزخارف بديعة الألوان، والتى كان يفترض أن يدفن فيها السلطان حسن، قبل أن يقتله مماليكه ويدفنوا الجثة فى مكان غير معلوم حتى يوم الناس هذا.
بنيت هذه المعجزة بين عامي 757هـ/ 1356م و764هـ/ 1363م، وبحسب ما نقل المقريزى فإن العمل استمر بلا انقطاع على مدار ثلاث سنوات ونصف السنة، غرم السلطان المملوكى الناصر حسن فيها ألف مثقال من الذهب يوميًا، ونقل عنه لما عرف فداحة تكلفة البناء قال: «لولا أن يقال إن ملك مصر عجز عن إتمام بناء بناه لتركت بناء هذا الجامع من كثرة ما صرف عليه». وقد جمع الجامع الكثير من الفنون فهو يضم زخارف دقيقة وكتابات ونقوشًا على غاية من الروعة، والنحاس المكفت كــــــآيـة من آيات الحسن والبهاء، فضلًا عن ضخامة الجامع المبنى من الحجارة، أما باب الجامع فكان تحفة وأعجوبة زمانه، فهو من الخشب المغطى بالنحاس المكفت والمشغول بأشكال هندسية بديعة وشديدة الدقة، لدرجة أن السلطان المؤيد شيخ طمع فى الباب البديع واشتراه من الورثة سنة 819هـ/ 1416م ونقله إلى جامعه الواقع بجوار باب زويلة.
التناسق والانسجام هو سر جامع ومدرسة السلطان حسن بن السلطان الناصر محمد بن السلطان المنصور قلاوون، فبين ضخامته المبهرة والتفاصيل الدقيقة فى مدخل المدرسة، والتلاعب بين مهابة البوابة الرئيسية، ثم ضيق الممر المؤدى إلى المدارس الفقهية، وصولا إلى الصحن المتسع والإيوانات الأربعة، تجد نفسك فى حالة انبهار وتساؤل حول الكيفية التى استطاع بها الفنان المصرى فى العصر المملوكى تطويع الحجر لعزف هذه السيمفونية التى تبلغ حد الكمال.
دبلوماسية فاعلة وتنمية لا تتوقف .. تحركات رئاسية لدعم الاستقرار الإقليمى وصناعة المستقبل
لا اعتراف.. لا شرعية.. لا عبث بالتاريخ| القاهرة تتصدى لـ«سفارة الوهم» على أرض القدس
نقيب الفلاحين يتوقع تراجع الأسعار قريبا.. الطقس والسوسة وراء «هيستريا الطماطم»







