زميلان أحدهما تجاوز الأربعين بقليل والآخر على مشارفه، كل منهما ضمن فريق الديسك المركزى للجريدة أو الذى تعارفنا عليه منذ أول محاضرة فى قسم صحافة بكلية إعلام القاهرة بالمطبخ الصحفى، حيث ترد إليه كل المواد المرشحة للنشر فى العدد الجديد ومنهم من كنا نطلق عليهم الأسطوات، فقليل من المحررين يجيدون فن صياغة الخبر أو الموضوع الصحفى، سواء كان تحقيقاً صحفياً أو غيره من فنون المواد الصحفية، كانت مهمة هذا المطبخ إعداد وجبة ترضى نهم القراء إلى المعرفة.
الشاهد فوجئت بالزميل الأول يخبرنى بأنه يستعين بالذكاء الاصطناعى فى صياغة الأخبار، يطلب منه عدداً محدداً من الكلمات والهدف الذى يسعى إليه من العناوين بل «ياخد ويدى معاه» إذا لم يرق له ما أنتجه له الذكاء الاصطناعى!
وأخذ يعدد لى الوقت الذى يوفره والجودة للعمل الذى يقدمه فى شكله النهائى على صفحات الجريدة.
أسقط فى يدى باعتبارى واحداً من الأجيال التى أفنت فى الأوراق عمرها وحرصنا على قراءة ما قدمناه من إنتاج فى صورته النهائية منشوراً فى الجريدة وكيف قام أسطى من المطبخ الصحفى بإعادة صياغته ليخرج بشكل يليق باسم صاحبه قبل أن يليق باسم الجندى المجهول عضو الديسك المركزى.
استطرد زميلى قائلا: هل تعتقد أن هناك فرقا بين أن يتدخل عضو من فريق المطبخ الصحفى فى إعادة صياغة العمل مادام صاحبه لا يمتلك أدوات ومهارات الصياغة وهم كثر فى وسطنا لأن المخبر الصحفى الشاطر ليس شرطاً أن يكون متمكنا من الصياغة المطلوبة وإلا ما كان هيكل العمل استدعى وجود المطبخ الصحفى وأن يضم أصحاب المهارة والكفاءة فى الصياغة الصحفية.
أما زميلى الثانى الذى أصبحت ألجأ إليه كلما تسلمت مقالاً من أحد الزملاء، أعرف قدراته على الصياغة لأفاجأ بمقال متوازن من جميع جوانبه وليس به خطأ أسلوبى أو حتى إملائى أو نحوى على غير عادته.
يصدق حدسى عندما ألجأ إليه للبحث عن دور الذكاء الاصطناعى فى المقال وطبعاً أستعين به لعدم القدرة على التعامل مع هذا التطبيق كما يقولون التعليم فى الكبر كالنقش على الماء.. وبالفعل لا أفاجأ عندما يخبرنى بأن المقال نسبة تدخل الذكاء الاصطناعى فيه تصل إلى ٩٤ بالمائة!!
وعندما علم الزميل الأول بأننى أرفض المقالات التى يستعين أصحابها بالذكاء الاصطناعى، همس فى أذنى لماذا الرفض، وكل وقت وله أذان. ما الفرق بين الاستعانة بالذكاء الاصطناعى فى صياغة خبر أو موضوع وبين الاستعانة به فى صياغة مقال صاحبه هو من ابتكر الفكرة ويبحث عن أداة تجسدها له فى سطور.
أسقط فى يدى وتذكرت ما قرأته عن الوظائف التى ستختفى مع توغل الذكاء الاصطناعى ومنها المذيعون فى مجال الإعلام والصحفيون فى الصحف والمجلات والمواقع.
وقلت لنفسى يعنى جاء الذكاء الاصطناعى وراحت علينا وسرعان ما كان الصدى يرد:
أبداً.. يبقى دائما الإنسان الذى ابتكر الذكاء الاصطناعى، يتحكم هو فيه ولا يدعه يحكمه.

شعب مصر.. وجيشها
إدانة.. ولكن «1»
التعامل مع البنوك بالتليفون ممنوع







