تساقانا.. من قرية جبلية صغيرة إلى وجهة سياحية كبيرة

تساقانا.. من قرية جبلية صغيرة إلى وجهة سياحية كبيرة
تساقانا.. من قرية جبلية صغيرة إلى وجهة سياحية كبيرة


 

شانغ جيه وانغ بينغ يا

"لم أرَ في حياتي منظراً بهذا الجمال. لو أن كاتب "سفر التكوين" رأى جمال ديهبو، لأختار هذا المكان لميلاد آدم وحواء. سيصبح هذا المكان مقصداً لكل محبي الطبيعة والسياح من أنحاء العالم."

تقع ديهبو في ولاية قاننان الذاتية الحكم لقومية شيتسانغ بمقاطعة قانسو، وكان اسمها قديماً "ديه ‏تشو"، وتعني بلهجة شيتسانغ "الإبهام"، ويقال إنها البقعة التي "ضغط" عليها إله الجبل. قبل أكثر من ثمانين عاماً، جاء عالم النبات والأنثروبولوجيا الأمريكي – النمساوي الأصل جوزيف روك إلى هذه الجبال العميقة في بعثة بحثية، وكتب هذه الكلمات المليئة بالدهشة.

 

واليوم تحقق توقعه: حيث يتوافد الآلاف من السياح إلى شيتسانغ من كل حدب و صوب ليستمتعوا بمشهدها الساحر ‏وتفردها. وتقع في هذه المنطقة قرية اسمها تساقانا، اختارتها منظمة السياحة العالمية ‏التابعة للأمم المتحدة في عام 2023 كـ"أفضل قرية سياحية".

من مركز مقاطعة ديهبو، يصعد الزائر بمحاذاة الجداول، ويعبر وادياً يزيد طوله عن 20 ‏كيلومتراً، وصولاً إلى هذه القرية المعلقة بين السحاب.

" كل مشهد هنا أشبه بصندوق مفاجآت طبيعية، يفتح أمامك لوحة مدهشة." هكذا وصفت الإعلامية ‏أسما، مذيعة قناة الصين-العربية في دبي، انطباعها وهي تقوم بتغطية إعلامية في المكان. فمن القمم ‏المغطاة بالثلوج إلى المروج الواسعة، ومن قرى شيتسانغ المتناثرة إلى الحقول المدرجة، ‏راحت تتبع بعينها وعدستها مشاهد الشعر الممتزجة بالغيوم وأغاني الرعاة، أملاً أن تنقل للعالم ‏كنزاً ثقافياً من غرب الصين.

وعلى منصة المشاهدة فوق الجبل، التقطت عدسات الصحفيين الأجانب صورة بديعة: بيوت ‏ضيافة في شيتسانغ متناسقة، تحيط بها سحب متدفقة، في مشهد يشبه لوحة تنبض بالحياة. "إنها حقاً جنة ‏أرضية!" هكذا علق الزوار بإعجاب.

ابتسامات الأهالي البسيطة أمام الكاميرا تخفي خلفها معنى السعادة الحقيقية.

يقول المرشد الشاب يانغ جيان تساو من قومية شيتسانغ: "تساقانا تعني بلهجة شيتسانغ الصندوق ‏الحجري، فهي محاطة بالجبال من كل الجهات، وهي قرية جبلية نموذجية." ويضيف أن عشر ‏سنوات مضت لم تكن كافية لتغيّر ملامح المكان: قرى صغيرة متفرقة (دونغوا، يي ري، دا ري، ‏داي با) يعيش أهلها حياة نصف زراعية نصف رعوية، بسيطة وهادئة، لكنها مليئة بالكد ‏والمعاناة.

تعود بداية التحول الكبير الذي شهدته القرية إلى عام 2010، عندما اكتشف عشاق الاستكشاف والمشي لمسافات طويلة ‏هذا المكان المكنون كفردوس مخفي وتناقلوا أخباره حتى ذاع صيته. عندها بادرت السلطات ‏المحلية إلى شق الطرق وتحسين البيئة، فتحولت بيوت القرويين إلى مطاعم ونُزل صغيرة، وبدأ ‏الأهالي يكسبون رزقهم من السياحة.

يانغ جيان تساو ابنة القرية، عادت بعد تخرجها في 2015 لتشهد بأم عينيها كيف غدت القرية ‏الصغيرة وجهة سياحية كبرى.

وعندما تفتح باب بيت القروي تسارينغ داي جو، تستقبلك زوجته تسورما بابتسامة وتهديك وشاح ‏"خاتا" الأبيض رمز البركة، وتقدم لك الشاي باللبن، وتضع أمامك خبز الشعير المحمص ‏"تسانبا"، وتدير كأساً من نبيذ الشعير، في تجربة غامرة بالدفء في شيتسانغ. هذه التجربة جزء ‏من مشروع جديد في القرية يدعى "زيارة بيوت شيتسانغ"، حيث ينفتح السياح على حياة أهلها ويستشعرون خصوصيتها.

تسارينغ داي جو، البالغ من العمر 40 عاماً، كان يعمل سابقاً في ترميم المنازل بعاصمة ‏المقاطعة. لكنه عاد عام 2018 ليحوّل منزله الخشبي إلى نُزل من طابقين: الأول يضم تسع ‏غرف أغلبها عائلية، والثاني يضم ثماني غرف بنوافذ تطل على السماء لمراقبة النجوم. ورغم حفاظه ‏على الطابع التقليدي لشيتسانغ من الخارج، فإنه مجهز من الداخل بمرافق تضاهي فنادق فئة الأربع نجوم. وفي مواسم الذروة تُحجز غرفه بالكامل.

وكحال داي جو، افتتح معظم سكان القرية نُزلاً ومطاعم ريفية. ففي قرية داي با وحدها – التي لا ‏يتجاوز عدد منازلها الأربعين – هناك 37 بيتاً تحولت إلى نُزل أو مطاعم. وتُعرض الغرف على ‏منصات الحجز الإلكترونية، لتصل الإيرادات السنوية لكل أسرة إلى أكثر من 300 ألف يوان.

بيد أن النمو السريع لم يخلُ من المنغصات. ففي السنوات الماضية، ومع تدفق السياح، تسابق الأهالي ‏في بناء المنازل الجديدة دون تخطيط، فظهرت مشاكل في البنية التحتية والنظافة، مما أثار انتقادات ‏الزوار.

ومنذ عام 2021، أطلقت حكومة المقاطعة خطة لإعادة تأهيل تساقانا، واعتُمدت قرية داي ‏با كنموذج. فتمت إزالة الأبنية العشوائية، وتم تحويل الحظائر والحمامات القديمة، وتسوية الساحات، ‏ومد شبكات المياه والكهرباء والإنترنت تحت الأرض، ليُعاد المشهد إلى هيئته الأصلية على طابع ‏شيتسانغ. فجاءت القرية بألوان التربة والخشب والحجر، منسجمة تماماً مع طبيعة الجبال ‏المحيطة.

الوجه الجديد جذب المستثمرين من خارج المنطقة. فمنذ عامين فقط افتُتح مشروع ضخم باسم ‏"يون جينغ يي شيه" باستثمار قدره 80 مليون يوان، يضم 51 غرفة ضيافة موزعة على سفح ‏الجبل كأنها عائمة بين السحب، بحيث يتمكن النزيل من "رؤية الخضرة من النافذة واستقبال الجمال ‏عند عتبة النُزل". وقد أطلقت هذه المنشآت منتجات سياحية موجهة للأزواج والعائلات، لاقت رواجاً ‏كبيراً.

 

انتقلت القرية من مرحلة النمو العشوائي إلى مرحلة التنمية المستدامة التي تجمع بين الحماية ‏والتطوير، ومن سياحة المشاهدة إلى سياحة التجربة والانغماس. وفي كل ذلك، تقول يانغ جيان ‏تساو: "تحسّنت البيئة، وتجملت القرية، وزادت رغبة السياح في زيارتها، وهكذا تتحسن حياة السكان ‏يوماً بعد يوم."