فـن الاقتباس: من دفاتر ويستون هيو أودن

الأديب الإسبانى الكبير إنريكى بيلا ماتاس
الأديب الإسبانى الكبير إنريكى بيلا ماتاس


أحمد الزناتى

ترجمتُ فى أحد كتبى حوارًا مطولًا مع الأديب الإسبانى الكبير إنريكى بيلا ماتاس قال فيه إنه عثر عند الكاتب الفرنسى جورج بيريك على رأى يقول إن الأدب يتقدم نحو «فن الاقتباسات»، وهو ما يمثل فى رأيه تقدمًا إلى الأمام، وأضاف (ماتاس) أنه يعمل على رسم شخصية مهتمة بجمع الاقتباسات النادرة من كل نصوص العالم وبكل اللغات، وهى تعمل لصالح أحد تلامذة الروائى الأميركى الغامض توماس بينشون (الكاتب الذى اختفى منذ خمسينيات القرن الماضى ويُشكِّك فى وجوده من الأساس على الرغم من مواصلته إصدار المزيد من الروايات من بقعة خفية فى أميركا، وسينشر روايته الأخيرة فى أكتوبر المقبل وهو على أعتاب التسعين!)، البطل مشغول بإعداد موسوعة متنقلة تحوى كافة الاقتباسات والاستعارات الأدبية المتاحة فى كل كتب العالم. 

قبل ظهور الإنترنت وُجد ما يعرف بـترجمة حرفية: دفتر الاقتباسات/المقتطفات (commonplace book ) ، وهو سجل إبداعى وفكرى للومضات المقتطفة، كان الكاتب يجمعها من كتب أخرى وينسخها فى دفتره، وغالبًا ما كانت مقرونةً بتأملاته وتعليقاته الخاصة.

ترددت قبل أن أترجم العنوان إلى«كـنَّاشـة ويستن هيو أودن» على غرار «كناسة أو كنّاشة الدكان ليحيى حقى، فالزمن تغير، وارتأيت أن أترجمها «كشكول» مثل كشكول العاملى. 

بشيء من البحث اكتشفت أن هذا النوع قديم فى الحضارة الغربية؛ فى القرون الوسطى ظهر ما يُسمى (florilegium) وبترجمة حرفية باقة أزهار، أو بستان الاقتباسات؛ وقد شاع هذا النمط بين طلبة العلوم اللاهوتية والرهبان، وكانوا يجمعون فيه أجمل وأهم العبارات من كتب الفلسفة، واللاهوت، والأدب، ثم يرتبونها حسب الموضوعات.

فى التراث العربى شاع التقليد ذاته وإن اختلف الاسم: المستطرف للأبشيهى، العقد الفريد لابن عبد ربه، وكتب الجاحظ التى امتلأت بالمنتخبات والتعليقات. كانت هذه الكتب كنوزًا من الاقتباسات الممزوجة بتأملات شخصية، تمثّل ما يمكن أن نسمّيه «كشكولًا عربيًا».

منذ شهر استوقفتنى صورة منشورة على أحد حسابات التواصل الاجتماعى لكتابٍ لم أكن أعرفه من قبل للشاعر الكبير دبليو إتش.

أودن.

وقد كتبت القارئة تعليقًا تقول فيه: «هذه هى الاقتباسات التى ستبقى معى حتى ألفظ أنفاسى الأخيرة".

كانت الصورة لكتاب الشاعر البريطاني- الأمريكى دبليو. هـ. أودن، الذى أصدر عام 1970 كتابًا بعنوان  Certain World: A Commonplace Book؛ وهو أنطولوجيا شخصية جمع فيها مختارات واقتباسات وتأملات، رتّبها ترتيبًا أبجديًا يبدأ بـ«الفتور الروحى (Accedie) وينتهى عند الكتابة.

فى تصدير الكتاب يقول أودن:
(غالبًا ما تكون سِيَر الكُتّاب، سواء خطّها أصحابها أو تولاها غيرهم، فائضة عن الحاجة، بل وتفتقر فى كثير من الأحيان إلى الذوق الرفيع. فالكاتب فى جوهره خَلّاق صانع، لا رجل أفعال. صحيح أن معظم أعماله، بل جميعها فى وجه من الوجوه، تُجسّد تجاربه الخاصة، غير أنّ الاطّلاع على هذه التجارب لا يكشف سرّ النكهة الفريدة الكامنة فى الأطباق اللغوية التى يهيّئها لقرّائه.

فحياته الخاصة ينبغى أن تبقى، أو الأحرى أن تظل، أمرًا يخصّه وحده، مع أسرته وأصدقائه.

وقد عبر جي.كيه. تشيسترتون عن هذه الحقيقة تعبيرًا بليغًا حين قال: وراء عقل كل فنان يكمن نسق أو هيكل معمارى. والعلامة الأصيلة لكل ذى خيال حى إنما هى الصور التى تنسجها مخيلته…). 

لكن الأهم من ذلك كله أننا نستطيع، من خلال هذه الاقتباسات، أن نقرأ السيرة الذاتية للشاعر الكبير على نحو غير مباشر؛ إذ تكشف لنا اختياراته عمّا أثّر فيه وشكّل وعيه ورؤيته.

والأمر ذاته يصدق على كل من يسلك هذا النهج، سواء بتدوين المقتطفات فى دفاتره الخاصة كما كان يفعل القدماء، أو بجمعها اليوم على صفحاته فى وسائل التواصل، فى صورةٍ تمثّل التطوّر الطبيعى لتلك الفكرة القديمة فى ثوب عصرى جديد، وهو ما سأشير إليه لاحقًا. 

ونظرًا لأن الكتاب مبوَّب وفق حروف الأبجدية الإنجليزية، فقد وقع اختيارى على الفقرات التالية الكاشفة لكيفية رؤية الشاعر الإنجليزى الكبير للعالَم.



عن الإيمان/الاعتقاد Belief
يقول أودن: إنّ جميع التجارب الإنسانية ــ ما خلا الألم الجسدى على الأرجح ــ إنما تجرى وفق المبدأ القائل: آمنتُ لكى أفهم (Credo ut intelligam).

فالإنسان لا يطيق أن يعزل واقعةً من وقائع خبرته عن تأويله لها؛ وتأويله هذا ليس شأنًا ذاتيًّا خالصًا، إلا فى حال الجنون، بل هو مما تلقّاه وتدرّب عليه من الآخرين، ثم يسوق الاقتباسات الآتية:

يحب بعض الناس أن يَفهم ما يؤمن به، وبعضهم الآخر يحب أن يؤمن بما يفهمه. (ستانيسلاف ليك [شاعر وكاتب بولندي]

من لا يؤمن بشيء، ما يزال بحاجة إلى فتاة تؤمن به  -  أوجين روزنشتوك هويسِى [فيلسوف ألمانى متخصص فى اللاهوت والتاريخ]

ثمة فارق شاسع بين أن تظل مؤمنًا بشىء، وأن تهجره، ثم تعود للإيمان به– ليشتينبرج [كاتب الشذرات الألمانى الأشهر]

إنكار «أ» هو وضع «أ» خلف القضبان – بول فاليرى

الإنسان هو ما يؤمن به – أنطون تشيخوف

من ثمارهم تعرفونهم [*العبارة هى جزء من آية فى الإنجيل (إنجيل متى 7: 16)، وتُستخدم للدلالة على أن جوهر الإنسان وحقيقته لا تُعرفان من أقواله أو ادعاءاته، بل من أفعاله ونتائج أعماله على أرض الواقع].

لو وُجد فى اللغة فعل يعبر عن «الإيمان بالباطل»، لما وُجِد الفعل له فى صيغة الفعل المضارع أبدًا - لودفيج فيتجنشتاين

وهنا أود أن أستطرد لشرح هذه العبارة الغامضة العبقرية لفيتجنشتاين؛ بعد طول تفكير يبدو لى مراد كلامه أن اللغة لا تسمح لنا بالجمع بين فعل الإيمان وبين وَسمِه بـ"الباطل» فى صيغة فعل مضارع بضمير المتكلم، إذ إن فعل «أؤمن/أعتقد» يتضمن بالضرورة اعتقادًا بالصدق، فلا يمكن للمتكلم أن يقول فى الزمن الحاضر: «أنا أؤمن بالباطل الآن"، لأن بنية الاعتقاد ذاتها تفترض فى وعى المؤمن أنه يمسك بالحق. الوعى بالخطأ لا ينشأ إلا بعد الانفصال عن لحظة الاعتقاد.

فحين يكتشف الإنسان لاحقا أن ما اعتقده لم يكن سوى باطل، يستطيع أن يصوغه فى صيغة الماضي: «كنت أؤمن بباطل اسمه مسألة كذا أو كذا"... لكن فى لحظة الاعتقاد ذاتها، يستحيل لغويا أن يصفه المعتقد بأنه باطل، لأن ذلك يناقض ماهية الإيمان نفسه. 


فى فصل آخر يتكلّم أودن عن «السحر أو الافتتان، ويفتتح الفصل باقتباس من الكاتب النمساوى الكبير هوجو فون هوفمانستال: «أين تجد ذاتك؟ ستجدها دائمًا فى أعمق تجربة افتتان سحرية خبرتَها فى حياتك.

ويعلق أودن بقوله:
«حالة السحر هى حالة من اليقين الخالص؛ حين نكون مسحورين، لا نؤمن ولا نشك ولا ننكر: نحن نعلم حتى وإن كان هذا العلم، فى حالة السحر الزائف، لونًا من خداع الذات وتعترف الحكايات الشعبية كلّها بوجود سحر زائف كما تعترف بوجود سحر حقيقى.

فإذا كان سحرنا حقيقيًا، فنحن لا نرغب بشيء لأنفسنا، وإنما نرغب فقط فى استمرار وجود الكائن أو الشيء الساحر. أما إذا كان زائفًا، فإننا إمّا نطمح إلى امتلاك الكائن الذى يسحِرنا، أو نرغب فى أن يمتلكنا.

ولسنا أحرارًا فى اختيار ما يسحرنا، صدقًا كان أو زيفًا. وفى حال السحر الزائف، لا مناص من الفرار قبل أن يبسط نفوذه علينا. إن كشف الأوثان على حقيقتها لا يُبطل سحرها.

وكل سحر حقيقى يبهت مع الزمن، ولابد لنا عاجلًا أو آجلًا أن نسير وحدنا بالإيمان وهناك، نتعرض لإحدى فِتنتين: إمّا أن ننكر ما رأيناه، ونزعم أنه كان وهمًا، فنقسُو على أنفسنا ونغدو ساخرين؛ وإما نحاول عبثًا أن نستعيده بالقوة، عن طريق الغرق فى الخمر أو أو الجنس أو المخدرات يستطيع السحر الزائف— بيسر — أن يلازمنا العمر كله». 

استوقفتنى هذه الاستعارة طويلًا؛ ما المقصود بالسحر أو الافتتان هنا؟ 
يستخدم أودن السحر الافتتان كاستعارة عميقة لوصف حالتين من الانجذاب أو الانبهار الإنسانى، ويميز بين السحر الحقيقى والسحر الزائف، ثم يحلل أثر كل منهما فى النفس (كأن يُسحر شاب بفتاة بارعة الجمال، أو رجل ناضج بامرأةٍ ما، ثم يكتشف أنَّ هذا مجرد حالة انبهارسحر مؤقت) فى ظني:  السحر الحقيقى هو شعور صافٍ لا يتعلق بالأنانية أو التملك، بل بالرغبة فى استمرار وجود الشيء الساحر (أو لنقل الفاتن الجّذاب) كما هو، مستقلًا عنّا؛ مثل حب الفن أو الجمال الروحى، حيث تكتفى بأن يكون موجودًا حتى لو لم تملكه.

أما السحر الزائف فهو بوابة تسلل الطمع والأنانية؛ إما أن تريد امتلاك الشيء الساحر والسيطرة عليه، وإما أن تسلّم نفسك ليملكك هو، يحذرنا نصّ أودن: إن لم تلذ بالفرار، ستفقد حريتك تمامًا النص يعرض ثنائية النقاء والأنانية فى الحب = الانبهار، وبين حقيقة الشعور ووهمه. ويكشف أن الخطر الأكبر ليس فقدان السحر الحقيقى، بل فى البقاء أسرى السحر الافتتان الزائف، لأنه يُشبعنا شعوريًا دون أن يحررنا، ويجعلنا نعيش فى خداع ذاتى مريح، لكنه عقيم.  وللقاريء أن يقيس على ذلك كل شىء فى حياته؛ بدايةً من أول حبّ وصولًا إلى ما يكتبه على السوشيال ميديا.  

يقول أودن: 
"بين السادسة والثانية عشرة من عمرى، قضيت معظم ساعات يقظتى فى تشييد عالم ثانوى خاص ومقدّس، تتألف دعائمه من: (أ) منظر طبيعى من الحجر الجيرى مستوحًى من مرتفعات بنين فى شمال إنجلترا، و(ب) صناعة تعدين الرصاص.

كان هذا العالم «انطوائيًا» بالمعنى النفسي؛ لا أرغب فى مشاركته مع أحد، ولا أقدر على ذلك أصلًا.

ومع ذلك، كنت أحتاج إلى عون الآخرين، خاصة والديَّ، فى تهيئة مواده: شراء كتب عن الجيولوجيا والآلات، وخرائط، وكتيبات، وصور، واصطحابى إلى مناجم حقيقية متى سنحت الفرصة.

وقد قدّما ذلك بكرم وصبر. ومن هذا الانشغال، تبيّنت مبادئ وجدتها لاحقًا تنطبق على كل إبداع فنى. أولًا: إن الدافع الأوّل لكل عالم ثانوى هو شعور بالرهبة يثيره لقاء، فى العالم الأول، مع كائن أو حدث مقدّس.

ولا يُنشأ أى عمل فنى من العدم، بل هو اختيار وإعادة تركيب لمشاهد من العالم الأول. صياغة هذه القوانين، لكن لا بد أن تكون موجودة بالفطرة، فرضت على خيالى قيدين: فى اختيار عناصر عالمى، يمكننى أن أختار هذا وأستبعد ذاك، بشرط أن تكون كل العناصر أشياء حقيقية فى العالم الأول.

وفى تنظيم طريقة عمل عالمى، يمكننى أن أختار بين احتمالين عمليين — مثل تصريف المياه من منجم إمّا بنفق مائل أو بمضخة — لكن الوسائل المستحيلة أو السحرية كانت محرّمة.

وحين أقول محرّمة، أعنى أننى كنت أستشعرعلى نحو غامض أنها محرّمة أخلاقيًا. وذات يوم، حين كنت أضع «الخطة المثالية» لمعمل تركيز الخام، اضطررت إلى الاختيار بين نوعين من آلة تُسمّى «البَدَل» لفصل الطين. كان أحد النوعين فى نظرى أقدس وأجمل، لكن الآخر — كما علمت من قراءتى — أكثر كفاءة. 

عندها أيقنت أن من واجبى الأخلاقى أن أضحّى بتفضيلى الجمالى من أجل الحقيقة". 


الكتاب ضخم ويحتاج إلى كتاب مثله للإحاطة بمادته، لكنى أظن أن أودن لم يكن بصدد كتابة تأملات شخصية وحسب، بل أراد أن يبيّن كيف تتقاطع التجربة الفردية مع تراث الإنسانية المبثوث فى بطون الكتب.

وهذه مشكلة شائكة، لأن ثمة من يقدح فى الاقتباسات المنتشرة بكثافة على منصات التواصل الاجتماعي؛ الحقيقة أن الاقتباس، إذا أحسِن استعماله، يكشف عن أرقى أشكال الخلق الأدبى. فليس فى وسع الكاتب أن يبتكر أفكارًا وكلمات جديدة كل يوم، بل قد يكمن إبداعه (كما أشرتُ فى أول المقالة إلى فكرة بيريك التى ذكرها ماتاس) فى أن يختار اقتباسَه بعين بصيرة، ويعيد تركيب الكلمات والمعانى فى نسيج يكشف عن ذاته.

ربما أذهب فأقول إذا أراد إنسان أن يعرف كاتبًا معرفة حقيقية، فلينظر ليس فى كتبه فحسب، بل فى اقتباساته كذلك.

لكن وجه الاختلاف أنَّ كشكول أودن كان موجهًا بالدرجة الأولى إلى ذاته، بينما صارت اقتباسات اليوم على المنصات الرقمية موجهة فى المقام الأول إلى الجمهور، مستهدفةً أحيانًا – بل غالبًا – حصد التفاعل، وعلامات الإعجاب Likes أو محاولة ترسيخ صورة ذهنية لصاحب الحساب فى أعين الآخرين.

وهنا أحب فى عجالة الإشارة إلى نقطة فكرتُ فيها وأنا أكتب هذه المادة؛ فما كان فى زمن أودن كشكولًا خاصًا يخط فيه الكاتب اقباساته المفضلة صار اليوم صفحة عامة مفتوحة على رؤوس الأشهاد.

فالقارئ يشارك النصوص على صفحته الشخصية، ويقيّمها، وينشر الاقتباسات، ويتركها لتشكّل مع مرور الوقت سيرة قرائية علنية يمكن للآخرين تتبعها. وبهذا يتحول الكشكول من دفتر شخصى إلى سيرة ذاتية فكرية. 

وتمثل صفحات الاقتباسات على فيسبوك ومنصة X  امتدادًا للفكرة نفسها. هناك آلاف الصفحات التى لا تفعل شيئًا سوى نشر جُملة أو اقتباس مع صورة، ويشاركها الآلاف ممن يجدون فيها انعكاسًا لشعورهم أو تعبيرًا عن لحظة معينة حياتهم، والحق أننى لا أرى ضيرًا فى ذلك  (شريطة أن تكون لقائلها بحق). 

وقد جذبتنى هذه الفكرة بسبب اهتمامى الراهن بتاريخ الأفكار والآلية التى يتطور بها العقل الإنسانى إلى مادة اطلعتُ عليها على مدونة غربية تشير إلى أنَّ لفضاء المنصات الرقمية الاجتماعية أسلافًا راسخين؛ وليسمح لى القاريء بترجمة المقطعين التاليين من المدونة لإبراز الفكرة: 

(فيما يخص فيسبوك):
(قبل أن يولد «فيسبوك» بزمن طويل، نشأت جمهورية الرسائلRepublic of Letters  «وقد لمحتُ أكثر من كتاب على أمازون عن هذه الرسائل» وهى شبكة فكرية عظيمة ربطت مفكّرى التنوير عبر الحدود.

ضمّت تلك الجمهورية أعلاماً مثل فولتير ولايبنتس وروسو وفرانكلين ونيوتن وديدرو وغيرهم ممّن صاروا ركائز الثقافة الإنسانية.

وكان هذا النسيج الواسع من المراسلات الفكرية بمثابة فضاءٍ افتراضى يربط العقول ويشيّد المعرفة المشتركة واليوم يعكف فريق من جامعة ستانفورد على مشروع رسم خرائط جمهورية الرسائل، يصوّر فيه حركة هذه المكاتبات وكيف تشكّل ذلك الكون الفكرى وتمدّد عبر الزمان والمكان). 

(فيما يخصّ منصة X):

(فى خريف 1906، جلس الفنان الفوضوى والأديب فليكس فينيون (Félix Fénéon) يدوّن موادًا لصحيفة لو ماتان الباريسية، وكان قوامها 1220 خبراً قصيراً لا يتجاوز كلٌّ منها ثلاثة أسطر.

تراوحت موضوعاتها بين وفاة رجل عظيمٍ أو سرقةٍ تافهة أو كارثة بحرية، حتى بدا كأنه يُغرّد وحده فى سماء باريس مطلع القرن العشرين.

وقد التقطت الفنانة جوانا نيبورسكى هذه «التغريدات» المبكّرة، فأعادت بعثها فى كتابها روايات ثلاثية الأسطر Three Line Novels Félix Fénéon ، وهى رواية مصوّرة مزودة برسوم فاتنة، تمنحنا صوراً بديعة: عميقة تارة، وملغزة تارة أخرى، لكنها دوماً آسرة، تكشف عن باريس غابرة وعن عبقرية نادرة المثال).