النقاد الموسيقيين يكشفون.. سر وجود عمرو دياب على قمة الغناء

عمرو دياب
عمرو دياب


الوصول إلى القمة ليس سهلًا، والبقاء عليها شديد الصعوبة، والاستمرار فيها ليتحول المتربع على القمة هو نفسه قمة يقاس عليها أمر من المعجزات.

عمرو دياب، وعلى مدى نحو خمسة عقود، تحول هو نفسه إلى قمة لن يبلغها أحد في زمنه بسهولة، فمنذ لحظة ظهوره الأولى في منتصف الثمانينيات وحتى اليوم، لم يكن عمرو دياب مجرد مطرب عابر أو صوت جديد يبحث عن مكان في سوق مزدحم بالأسماء، بل جاء بمشروع فني متكامل، استطاع أن يحوله إلى مسيرة ممتدة على مدار أربعة عقود كاملة، جعلت منه حالة استثنائية في الغناء العربي، وأيقونة جماهيرية تجاوزت حدود مصر إلى العالم كله... فلم يكن نجاحه وليد الصدفة أو مجرد موجة عابرة، بل هو نتاج وعي شديد بمفهوم التطوير، وفهم عميق لطبيعة الجمهور، وإصرار على أن يكون مختلفًا في كل مرحلة.

فبينما ظهر جيل الثمانينيات بمجموعة من الأصوات الكبيرة مثل علي الحجار ومحمد الحلو ومدحت صالح، اختار دياب أن يسلك طريقًا آخر أقرب إلى “البوب العربي” الذي يمزج بين الطابع الغربي والروح الشرقية. هذه الرؤية جعلته مختلفًا منذ البداية، ثم جاءت أعماله لتؤكد أنه يعرف كيف يصنع لنفسه مكانًا لا ينافسه فيه أحد.

ألبومات كثيرة مثل “شوقنا”، “راجعين”، “نور العين”، و”تملي معاك” لم تكن مجرد نجاحات تجارية، بل محطات أساسية ساهمت في صياغة شكل الأغنية العربية الحديثة.

في محاولة لفهم سر عمرو دياب، استطلعت “أخبار النجوم” آراء نقاد موسيقيين للحديث عن خصوصية تجربة “الهضبة”، وكيف تمكن من الحفاظ على صدارته رغم تغير الأجيال؟

في البداية، يقول الناقد أمجد مصطفى فيعتبر أن بقاء عمرو دياب على القمة يرجع إلى امتلاكه ما يسميه “الكاريزما الفنية”؛ فهو ليس أقوى الأصوات من الناحية الطربية، لكنه يملك شخصية فنية متكاملة مثل: الحضور، الشكل، الوعي الموسيقي، والقدرة على مخاطبة الجمهور.. هذه العناصر مجتمعة جعلته أسطورة حية.

ويضيف أمجد مصطفى: أن دياب يدرك تمامًا كيف يتعامل مع التحولات التكنولوجية؛ فكان من أوائل الفنانين الذين استثمروا في الإنترنت، ثم في المنصات الرقمية مثل يوتيوب وسبوتيفاي. فهو لم يقاوم التغيير، بل استخدمه ليصل إلى جيل جديد لم يكن يستمع للأشرطة أو الأقراص المدمجة. وكان من أوائل المطربين - أو يكاد أن يكون المطرب الأول - الذي بدأ طرح ألبومه على قناته على اليوتيوب كأغنية سينجل كل أسبوعين أو شهريًا.

ويشير أمجد مصطفى إلى أن دياب يمثل حالة فريدة في التسويق الفني؛ فمجرد اسمه نفسه أصبح علامة تجارية، وأي أغنية جديدة له تتحول إلى تريند بمجرد طرحها... هذه الثقة لم تأتِ من فراغ، بل من التزام طويل بتقديم فن ذي جودة عالية.

ويؤكد أمجد مصطفى أن عمرو دياب لم يكن مجرد مطرب ينجح في وقته، بل أصبح نموذجًا يحتذى به؛ فالأجيال الجديدة من المطربين تعلمت منه كيف تكون نجمًا متكاملاً... ليس مجرد صوت جيد. وحتى من يحاولون منافسته يستلهمون منه بشكل أو بآخر. فهو لم ينجح بالصوت وحده، ولكن صورته كنجم كامل لعبت دورًا أساسيًا في بقائه على القمة؛ فهو يهتم بلياقته البدنية، ويظهر دائمًا بإطلالة شبابية تجعله أقرب إلى جمهوره الصغير سنًا.. كما يعرف أيضًا كيف يختار توقيت ظهوره الإعلامي؛ فلا يكثر من المقابلات أو التصريحات، مما يضفي على شخصيته هالة من الغموض تزيد من جاذبيته. وفي ظل صعود أجيال جديدة مثل محمد حماقي وتامر حسني، وظهور موجات مختلفة كالمهرجانات والراب، ظل وسيظل دياب محتفظًا بصدارة لا ينافسه فيها أحد، والسر في ذلك أنه لم يتوقف عند لحظة نجاح معينة، بل ظل يجدد نفسه باستمرار، حتى أصبح “الهضبة” التي لا تهتز أمام أي تغييرات مهما حدث.

أما الناقد عبد الرحمن طاحون: إن عمرو دياب يمثل نموذجًا للفنان الذي لا يعرف الجمود، فمنذ بدايته وهو يتعامل مع الغناء كمشروع متطور، لا كأغاني فردية. ففي الثمانينيات قدم الأغنية الخفيفة التي تناسب إيقاع الشباب، وفي التسعينيات أسس لمفهوم البوب العربي مع حميد الشاعري، وصولًا إلى الألفية الجديدة حيث أصبح أيقونة للتجديد الدائم.

ويضيف طاحون: أن سر استمرار دياب يكمن في إدراكه لطبيعة السوق؛ فهو يدرك أن الجمهور يمل بسرعة، لذلك لا يكرر نفسه، وكل ألبوم عنده له هوية موسيقية مختلفة. وأحيانًا يدخل في المغامرة مع أصوات وملحنين جدد، وأحيانًا أخرى يعود للتعاون مع الأسماء الكبيرة؛ فهذا التوازن جعله قريبًا من كل الأجيال.

ويشير طاحون إلى أن دياب لم يكتف بالسوق المحلي، بل كان يفكر بعقلية النجم العالمي، ونجح في أن يصدر أغنياته للخارج، سواء عبر نسخ مترجمة أو عبر إيقاعات تناسب الذوق الغربي، مثلما حدث مع “نور العين” التي وصلت إلى اليونان وتركيا وإسبانيا، ولم يفعلها أحد غيره بهذه القوة.

ويؤكد طاحون أن دياب هو الوحيد تقريبًا الذي استطاع أن يصنع ماركة فنية قائمة بذاتها، فمجرد ظهور اسمه على الألبوم يكفي ليصبح حدثًا؛ هذا لم يحدث مع مطرب عربي آخر بنفس الدرجة.

أما الناقد أمجد جمال فيعتبر أن نجاح عمرو دياب يعود إلى ذكائه الفني وقدرته على قراءة اللحظة، قائلاً: إن دياب لم يكن أبدًا أسير جيل واحد، وتعامل مع كبار الشعراء والملحنين في بداياته؛ ففي البداية تعامل مع عمرو مصطفى وأيمن بهجت قمر، واليوم نراه مع عزيز الشافعي وتامر حسين. هذه المرونة جعلته دائمًا في صدارة المشهد.

ويضيف أمجد: أن دياب كان أول من أدرك أن الغناء أصبح صناعة شاملة؛ فالصوت وحده لا يكفي، ويجب أن يكون هناك صورة وإطلالة وأسلوب تسويق. لذلك رأيناه يهتم بالكليبات منذ التسعينيات، وكان يواكب الشكل العصري الذي يناسب الأجيال الجديدة. كما أن دياب يملك قدرة نادرة على صناعة التريند بدلاً من مطاردته؛ بداية من قصة شعره إلى طريقته في الملابس، ومن اختيار الكلمات إلى أسلوب الأداء، وكان دائمًا نقطة البداية لظاهرة تنتشر بعده... هذه القدرة جعلت اسمه مرتبطًا بالتجديد المستمر.

ويشير أمجد إلى أن دياب استطاع أن يحقق معادلة صعبة؛ فهو لا يفقد جمهوره القديم، وفي نفس الوقت يكسب جمهورًا جديدًا؛ فتجد شبابًا في العشرينيات يسمعونه بنفس الشغف الذي يسمعه به جيل التسعينيات. هذه قدرة نادرة لا يملكها سوى النجوم الكبار.

في حين يقول الناقد محمد شميس: إن سر قوة عمرو دياب لا يقتصر على ألبوماته، بل يتجلى أكثر في حفلاته الحية؛ فدياب يقدم الحفل بنفس الدقة التي يسجل بها ألبومًا، ويقضي ساعات طويلة في البروفات مع فرقته، ويهتم بتفاصيل الصوت والإضاءة والتنظيم. لهذا تتحول حفلاته في مصر أو في الخارج إلى أحداث جماهيرية كبرى.

ويضيف شميس: أن دياب كان سباقًا في تطوير شكل الحفل الغنائي؛ ففي الوقت الذي ظل فيه معظم مطربي جيله على النمط التقليدي، كان هو يستخدم أحدث تقنيات الصوت والإضاءة، ويهتم بأن يكون العرض متكاملاً أقرب إلى حفلات نجوم الغرب... هذه الرؤية جعلت جمهوره يشعر أن حفله ليس مجرد مناسبة، بل تجربة بصرية وسمعية متكاملة.

ويرى شميس أن هذه الاستراتيجية عززت مكانته أكثر من أي شيء آخر؛ فالجمهور ينتظر حفلاته بلهفة، ويتعامل معها كحدث سنوي... هذا الارتباط المباشر بالجمهور ساعده على البقاء في الصدارة رغم كل التغيرات.

اقرأ أيضا: عمرو دياب يُشعل ليل بيروت.. ويكشف سر طقوسه المستمرة منذ 30 عامًا

;