فتشت في قنوات التليفزيون صباحا لأجد إحدى حلقات المسلسل الشهير في ثمانينيات القرن الماضي"بكيزة و زغلول" تلك الرائعة الدرامية الناقدة، التي ألفتها الفنانة القديرة إسعاد يونس، وابدعت في التمثيل فيها مع الفنانة القديرة سهير البابلي.
يحكي المسلسل قصة بكيزة الدراملي والتي تفاجأت بعد وفاة زوجها الكهل الثري (العشماوي) بمجيْ ابنته (زغلول) تلك الفتاة التي تربت في ظروف شديدة الفقر والقسوة بعيدًا عن نعيم والدها الثري فأصبح شكلها مضحك وشخصيتها ساخرة تزينها حكمة الفقر والعوز.
وتدور أحداث المسلسل حول العشماوي والد زغلول الذي حاول ان يبحث عن ابنته المفقودة من خلال الإعلان في الصحف في نهاية أيام حياته، لتصل ابنته (زغلول) ولكن يجئ وصولها متأخرا بعد وفاته لتصطدم بأرملته (بكيزة) المتعجرفة، المسكينة في ذات الوقت، وتصير المشاهد التمثيلية أكثر سخونة بين البنت الغجرية والسيدة الأرستقراطية، في حبكة درامية، كوميدية فلسفية.
شدتني أحداث تلك الحلقة، التي ظهرت فيها بكيزة الدراملي بنت الأصول، بعدما تدهور بها الحال، فلم تعد تجد حتى الفتات، وأثناء دخولها نادي اولاد الأكابر في جولتها التقليدية، لتتقابل بإحدى صديقاتها القدامى، تحاول بكيزة الحفاظ على انتشاءها والبريستيچ التي عرفها به أعضاء النادي، إلا إن الجوع كان له رأي آخر!
تدور أحداث الدراما، وتقدم لها صديقتها بعض السندوتشات، وفي محاولة بنت الأصول التماسك وتصنُع النزاهة، إذا بها تنتهز فرصة انشغال صديقتها مع صغيرها، لتلتقط المزيد من سندوتشات الطفل خلسة، فيفضحها الطفل الذي يعنفها بعفوية الأطفال لأنها قد التهمت السندوتشات الخاصة به، ويال هذا الموقف الحرج، ثم يزيد الطين بلة حينما تتساقط بعض السندوتشات من حقيبة بنت الأصول أثناء قيامها لمغادرة النادي، في مشهد ساخر.
وفي مشهد عبثي آخر أشبه بمشاهد نراها اليوم، تخرج بكيزة هانم من النادي لتذهب لأحد محال الازياء باهظة السعر ارضاءاً لغرورها. وبعد معاينة كثير من الفساتين ترفضها جميعا معللة بأنها دون المستوى، لكن بعد أن أن تنهم كوب العصير وكوب الماء، الذي قدمه البائع لها كواجب الضيافة.
وعلى طرف نقيض فهذه زغلول بنت العشماوي (بنت الأكابر حقا) وهي من عايشت الفقر فأصبحت بسيطة غير متكلفة، لا ترى فائدة لحديقة قصر والدها إلا بزراعة بعض الجرحير والخضروات، لتقتات منها وتقتات معها بكيزة أرملة أبيها.
ويجمع التاكسي بسائقه النكِد بكيزة هانم شديدة الضجر (على ضياع أوهام الماضي) مع سيدات الطبقة الكادحة السعيدات بنجاحهن في الحصول على بعض منتجات الجمعية الاستهلاكية في حبكة تمثيلية ساخرة بين الجد والاجتهاد في سعادة بالغة ورضاء نفس لتحقيق أدنى منازل العيش من ناحية، والتأفف المخلوط بالتعالي لضياع مصادر الرفاهية والبزخ من ناحية أخرى.
ومع أن تلك الرائعة التمثيلية قد أُذيعت على شاشات التلفاز في ثمانينيات القرن الماضي، إلا إنني أراها تذاع على شاشات الحياة الأكبر في عصرنا الحالي، مع تعديل السيناريوهات.
فبالرغم إن المصري قد عُرف واشتهر بأصالته وهو ابن الفلاح البسيط الذي زينته رائحة عرقه الطاهر وهندامه المهلهل، فما زال افتخار البعض بالأصول الأرستقراطية، وهو افتخار زائف على طريقة المثل المأثور(قارعة وتتزين بشعر ابنة أخيها)، فكثيرا ما نرى البعض يتظاهر بإنه من الأثرياء وإنه ابن فلان بك وعلان باشا، وفي الحقيقة، فهو ابن فلاح بسيط، كد وجاهد كي يصل ابنه لمنزله مرموقة.
وربما لايقف الفشر عند حد إجحاف حق الأب المسكين في الافتخار بكون ابنه أو بنته امتدادا له، متفاخرين بدوره العظيم، بل يتعدى ذلك بكثير في التعالي على البسطاء و محاربة الأيام الصعبة في صورة الحقد على ذووي الأصول الأرستقراطية بالفعل.
المشاهد في عصرنا الحالي كثيرة لهؤلاء البكائز، بأشكال عدة وفي ميادين متعددة، وفي المقابل نجد الزغاليل مازالوا يضحكون في سكينة واطمئنان ورضاء نفس، لمجرد فوزهم ببعض السلع من الجمعيات الاستهلاكية أو الحصول على قوت يومهم.
رحم الله الفن الجميل، وحفظ مصرنا الغالية وكل الزغاليل.
كاتب المقال: كاتب ومحلل، وأستاذ نظم المعلومات الجغرافية بجامعة الفيوم .

عيد الإعلاميين
ايمان ممتاز تكتب : لماذا يحتاج الشباب إلى الوعي السياسي الآن أكثر من أي وقت مضى؟
ياسر عبد العزيز يكتب: عفوًا .. كابتن لبيب ورفاقه الاستقالة لا تمر فوق جبل الديون







